المقريزي
303
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فيخرج الخليفة راكبا إلى المجلس ، فيترجّل على بابه وبين يديه الخواصّ ، فيجلس على المرتبة ، ويقفون بين يديه صفّين إلى باب المجلس ، ثم يجعل قدّامه كرسي الدّعوة وعليه غشاء قرقوبيّ ، وحواليه الأمراء الأعيان وأرباب الرّتب . فيصعد قاضي القضاة ويخرج من كمّه كرّاسة مسطّحة تتضمّن فصولا ك « الفرج بعد الشّدّة » بنظم مليح ، يذكر فيه كلّ من أصابه من الأنبياء والصّالحين والملوك شدّة وفرّج اللّه عنه ، واحدا فواحدا ، حتى يصل إلى الحافظ ، وتكون هذه الكرّاسة محمولة من ديوان الإنشاء . فإذا تكاملت قراءتها ، نزل عن المنبر ودخل إلى الخليفة ، ولا يكون عنده من الثّياب أجلّ ممّا لبسه ، ويكون قد حمل إلى القاضي قبل خطابته بدلة مميّزة يلبسها للخطابة ، ويوصّل إليه بعد الخطابة خمسون دينارا « 1 » . وقال الأمير جمال الملك أبو عليّ موسى بن المأمون أبي عبد اللّه محمد بن فاتك بن مختار البطائحي في « تاريخه » : واستهلّ عيد الغدير - يعني من سنة ستّ عشرة وخمس مائة - وهاجر إلى باب الأجلّ - يعني الوزير المأمون البطائحي - الضّعفاء والمساكين من البلاد ، ومن انضمّ إليهم من العوالي والأدوان ، على عادتهم في طلب الحلال وتزويج الأيامى ، وصار موسما يرصده كلّ أحد ، ويرتقبه كلّ غني وفقير فجرى في معروفه على رسمه ، وبالغ الشّعراء في مدحه بذلك . ووصلت كسوة العيد المذكور ، فحمل ما يختصّ بالخليفة والوزير ، وأمر بتفرقة ما يختصّ بأزمّة العساكر فارسها وراجلها ، من عين وكسوة . ومبلغ ما يختصّ بهم من العين سبع مائة وتسعون دينارا ، ومن الكسوات مائة وأربع وأربعون قطعة . والهبة المختصّة بهذا العيد برسم كبراء الدّولة وشيوخها وأمرائها وضيوفها ، والأستاذين المحنّكين والمميّزين منهم ، خارجا عن أولاد الوزير وإخوته . ويفرّق من مال الوزير بعد الخلع عليه ألفان وخمس مائة دينار وثمانون دينارا ، وأمر بتعليق جميع أبواب القصور ، وتفرقة المؤذّنين بالجوامع والمساجد عليها ، وتقدّم بأن تكون الأسمطة بقاعة الذّهب على حكم سماط أوّل يوم من عيد النّحر .
--> ( 1 ) ابن الطوير : نزهة المقلتين 34 - 35 . ومن أشهر هذه الكتب كتاب « الفرج بعد الشّدّة والضّيقة » لأبي الحسن عليّ ابن محمد المدائني وكتاب « الفرج بعد الشّدّة » لأبي بكر عبد اللّه بن محمد المعروف بابن أبي الدّنيا وآخر للقاضي أبي الحسين عمر بن محمد بن يوسف الأزدي ، ثم كتاب « الفرج بعد الشّدّة » للقاضي أبي علي المحسّن بن علي التّنوخي المتوفى سنة 384 ه / 994 م . ولم تصل إلينا الكتب الثلاثة الأولى بينما وصل إلينا كتاب التّنوخي وطبع أكثر من مرّة أتمّها وأضبطها نشرة عبّود الشالجي في خمسة أجزاء صدرت في بيروت سنة 1978 .