المقريزي
281
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الباب المحروق كان يعرف أوّلا « a » بباب القرّاطين ، فلمّا زالت دولة بني أيّوب ، واستقلّ بالملك الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني - أوّل من ملك من المماليك بسلطنة الديار المصرية « b » في سنة خمسين وستّ مائة - كان حينئذ أكبر الأمراء البحرية - مماليك الملك الصّالح نجم الدين أيّوب - الفارس أقطاي الجمدار ، وقد استفحل أمره ، وكثرت أتباعه ، ونافس المعزّ أيبك ، وتزوّج بابنة الملك المظفّر صاحب حماة ، وبعث إلى المعزّ بأن ينزل من قلعة الجبل ويخليها له حتى يسكنها بامرأته المذكورة . فقلق المعزّ منه ، وأهمّه شأنه ، وأخذ يدبّر عليه ، فقرّر مع عدّة من مماليكه أن يقفوا بموضع من القلعة عيّنه لهم ، وإذا جاء الفارس أقطاي فتكوا به ، وأرسل إليه وقت القائلة يستدعيه ليشاوره في أمر مهمّ . فركب في قائلة يوم الاثنين حادي عشرين « c » شعبان سنة اثنتين وخمسين وستّ مائة في نفر من مماليكه ، وهو آمن مطمئن بما صار له في الأنفس من الحرمة والمهابة ، وبما يثق به من شجاعته . فلمّا صار بقلعة الجبل وانتهى إلى باب « d » قاعة العواميد « 1 » ، عوّق من معه من المماليك عن الدّخول معه ، ووثب به المماليك الذين أعدّهم المعزّ ، وتناولوه بالسّيوف فهلك لوقته ، وغلّقت أبواب القلعة وانتشر الصّوت بقتله في البلد . فركب أصحابه وخشداشيته « 2 » - وهم نحو السبع مائة فارس - إلى تحت القلعة ، وفي ظنّهم أنّ الفارس أقطاي لم يقتل ، وإنّما قبض عليه السّلطان ، وأنّهم يقاتلونه حتى يطلقه لهم ، فلم يشعروا إلّا برأس الفارس أقطاي وقد ألقيت عليهم من القلعة ، فانفضّوا لوقتهم ، وتواعدوا على الخروج من
--> ( a ) بولاق : قديما . ( b ) بولاق : بمملكة مصر . ( c ) بولاق : حادي عشر . ( d ) ساقطة من بولاق . ( 1 ) قاعة العواميد ( الأعمدة ) - إحدى قاعات القلعة المخصصة لحاجات السلطان المنزلية وهي القاعة الكبرى ، وكانت برسم خوند الكبرى . ويرجع أقدم ذكر لها إلى زمن السلطانة شجر الدّرّ ، وقد أعاد بناءها الناصر محمد بن قلاوون ( ابن إياس : بدائع الزهور 1 / 1 : 286 ؛ أبو المحاسن : النجوم 12 : 145 ؛ ابن شاهين الظاهري : زبدة كشف الممالك 26 - 27 ؛ Behrens - Abouseif D . , « The Citadel of Cairo : Stage for Mamluk ( Ceremonial » An . Isl . XXIV ( 1988 ) , pp . 52 - 54 . ( 2 ) خشداش - خشداشية ويكتب أحيانا خوشداش : معرب اللفظ الفارسي خوجاتاش أي الزميل في الخدمة . وفي مصطلح العصر المماليكي في مصر يعني الأمراء الذين نشأوا مماليك عند سيد واحد فنبتت بينهم رابطة الزمالة القديمة ( المقريزي : السلوك 1 : 388 - 389 ه 3 ) .