المقريزي
230
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فأمور السّلطنة كلّها فيها أيسر وأكثر ، وبها الطّراز وسائر الأشياء التي تتزيّن بها الرجال والنّساء ؛ إلّا أنّ في هذا الوقت ، لمّا اعتنى السّلطان الآن ببناء قلعة الجزيرة التي أمام الفسطاط وصيّرها سرير السّلطنة « 1 » ، عظمت عمارة الفسطاط ، وانتقل إليها كثير من الأمراء ، وضخمت أسواقها ، وبني فيها للسّلطان أمام الجسر الذي للجزيرة قيسارية عظيمة ، تنقّل إليها من القاهرة سوق الأجناد التي يباع فيها الفراء والجوخ وما أشبه ذلك « 2 » . و « معاملة » [ أهل ] « a » القاهرة والفسطاط بالدراهم المعروفة بالسّوداء ، كلّ درهم منها ثلث من الدّرهم النّاصري ، وفي المعاملة بها شدّة وخسارة في البيع والشّراء ، ومخاصمة مع الفريقين . وكان بها في القديم الفلوس ، فقطعها الملك الكامل ، فبقيت إلى الآن مقطوعة منها . وهي في الإقليم الثالث ، وهواؤها رديء لا سيّما إذا هبّ المريسيّ من جهة القبلة ، وأيضا رمد العين فيها كثير ، والمعايش فيها متعذّرة نزرة لا سيما أصناف الفضلاء ، وجوامك المدارس قليلة كدرة . وأكثر ما يتعيشّ بها اليهود والنّصارى في كتابة الخراج والطّب . والنّصارى بها يمتازون بالزّنار في أوساطهم ، واليهود بعلامة صفراء في عمائمهم ، ويركبون البغال ، ويلبسون الملابس الجليلة « 3 » . ومآكل أهل القاهرة الدّلينيس « b » والصّير والصّحناة والبطارخ ، ولا تصنع النّيدة - وهي حلاوة القمح - إلّا بها وبغيرها من الديار المصرية ، وفيها جوار طبّاخات ، أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين ، لهن في الطّبخ صناعة عجيبة ورياسة متقدّمة . ومطابخ السّكّر ، والمطابخ التي يصنع فيها الورق المنصوري ، مخصوصة بالفسطاط دون القاهرة . ويصنع فيها من الأنطاع المستحسنة ما يسفّر إلى الشّام وغيرها ، ولها من الشّروب الدّمياطية وأنواعها ما اختصّت به ، وفيها صنّاع للقسيّ كثيرون متقدّمون ، ولكن قسيّ دمشق بها يضرب المثل وإليها النهاية .
--> ( a ) زيادة من ابن سعيد . ( b ) بولاق : الدميس . ( 1 ) انظر فيما يلي 2 : 183 . ( 2 ) ابن سعيد : النجوم 27 ؛ المقريزي : مسودة المواعظ 25 - 26 . ( 3 ) نفسه 28 ؛ نفسه 26 ، وقارن مع أمية بن عبد العزيز : الرسالة المصرية 34 .