المقريزي

228

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وعظم الازدحام ، وكان في موضع طبّاخين والدّخان في وجه الوزير وعلى ثيابه ، وقد كاد يهلك المشاة ، وكدت أهلك في جملتهم . وأكثر دروب القاهرة ضيّقة مظلمة كثيرة التّراب والأزبال ، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضّوء بينهما ، ولم أر في جميع بلاد المغرب أسوأ حالا منها في ذلك ، ولقد كنت إذا مشيت فيها يضيق صدري ، ويدركني وحشة عظيمة حتى أخرج إلى بين القصرين « 1 » . ومن عيوب القاهرة أنّها في أرض النّيل الأعظم ، ويموت الإنسان فيها عطشا لبعدها عن مجرى النّيل لئلّا يصادرها ويأكل ديارها . وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السّور إلى موضع يعرف بالمقس « 2 » ، وجوّها لا يبرح كدرا بما تثيره الأرجل من التّراب الأسود . وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفقائي « a » من الحضّ على العود إليها « b » : [ المتقارب ] يقولون : سافر إلى القاهرة * وما لي بها راحة ظاهرة زحام وضيق وكرب وما * تثير بها أرجل السّائرة وعندما يقبل المسافر عليها يرى سورا أسود كدرا « c » وجوّا مغبرّا ، فتنقبض نفسه ، ويفرّ أنسه « 3 » . وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة « أرض الطّبّالة » « 4 » ، لا سيّما أيّام « d » القرط والكتّان ، فقلت / « e » : [ الطويل ] سقى اللّه أرضا كلّما زرت أرضها * كساها وحلّاها بزينته القرط تجلّت عروسا والمياه عقودها * وفي كلّ قطر من جوانبها قطر

--> ( a ) بولاق : رفاقي . ( b ) بولاق : فيها . ( c ) المسودة : أسوارا سوداء كدراء . ( d ) بولاق : أرض . ( e ) النص عند ابن سعيد . وبلغني أن الفاضل زين الدين الدمشقي الحنفي المشهور بابن السّرّاج صنع في هذه الأرض بيتين جانس فيهما بين القرط - وهو النبات الذي ترعاه الدواب - وبين قرط الأذن ، ولم أقف عليهما . فقلت والفضل للمتقدم . ( 1 ) ابن سعيد : النجوم الزاهرة 24 ؛ المقريزي : مسودة المواعظ 22 - 23 . ( 2 ) فيما يلي 2 : 121 - 124 . ( 3 ) ابن سعيد : النجوم 25 ؛ المقريزي : مسودة المواعظ 23 . ( 4 ) فيما يلي 2 : 125 - 126 .