المقريزي
205
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
العاضد وقام بأمور « a » الدّولة شهرين وخمسة أيام ، ومات في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة . ففوّض العاضد الوزارة لصلاح الدّين يوسف بن أيّوب ، فساس الأمور ودبّر لنفسه ، فبذل الأموال وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال . فلم يزل أمره في ازدياد وأمر العاضد في نقصان ، وصار يخطب من بعد العاضد للسّلطان نور الدين محمود « b » ، وأقطع أصحابه البلاد ، وأبعد أهل مصر وأضعفهم ، واستبدّ بالأمور ومنع العاضد من التصرّف ، حتى تبيّن للنّاس ما يريده من إزالة الدولة ، إلى أن كان من واقعة العبيد ما ذكر ، فأبادهم وأفناهم « 1 » . ومن حينئذ تلاشى العاضد وانحلّ أمره ، ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة فقط ؛ هذا وصلاح الدّين يوالي الطّلب منه في كلّ يوم ليضعفه ، فأتى على المال والخيل والرّقيق وغير ذلك ، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد فطلبه منه وألجأه إلى إرساله ، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت ، وصار لا يخرج من القصر ألبتّة . وتتبّع صلاح الدّين جند العاضد ، وأخذ دور الأمراء وإقطاعاتهم فوهبها لأصحابه ، وبعث إلى أبيه وإخوته وأهله فقدموا من الشّام عليه . فلمّا كان في سنة ستّ وستين أبطل المكوس من ديار مصر ، وهدم دار المعونة بمصر وعمّرها / مدرسة للشّافعيّة ، وأنشأ مدرسة أخرى للمالكيّة « 2 » ، وعزل قضاة مصر الشّيعة وقلّد القضاء صدر الدّين عبد الملك بن درباس الشّافعيّ وجعل إليه الحكم في إقليم مصر كلّه ؛ فعزل سائر القضاة واستناب قضاة شافعيّة ، فتظاهر النّاس من تلك السّنة بمذهب مالك والشّافعيّ - رضي اللّه عنهما - واختفى مذهب الشّيعة إلى أن نسي من مصر « 3 » . وأخذ في غزو الإفرنج « c » ، فخرج إلى الرّملة وعاد في ربيع الأوّل ، ثم سار إلى أيلة ، ونازل قلعتها حتى أخذها من الفرنج في ربيع الآخر ، ثم سار إلى الإسكندرية ولمّ شعث سورها وعاد ، وسيّر توران شاه فأوقع بأهل الصّعيد ، وأخذ منهم ما لا يمكن وصفه كثرة وعاد .
--> ( a ) ساقطة من بولاق ، وفيه وقام بالدولة . ( b ) بولاق . محمد نور الدين . ( c ) بولاق : الفرنج . ( 1 ) فيما يلي 2 : 2 - 3 . ( 2 ) فيما يلي 2 : 363 . ( 3 ) سيعيد المقريزي تفصيل ذلك فيما يلي 2 : 356 - 358 .