المقريزي

186

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

لواحد منهم كرم في اللّه ، ويتظاهرون بالشّجاعة ، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة ؛ فاحذر كلّ الحذر من الاستنامة « a » إلى أحد منهم » « 1 » . ولمّا عزم المعزّ على المسير إلى مصر ، أجال فكره فيمن يخلفه في بلاد المغرب ، فوقع اختياره على أبي أحمد « b » جعفر بن عليّ الأمير ، فاستدعاه وأسرّ إليه أنّه يريد استخلافه بالمغرب / فقال : « تترك معي أحد أولادك أو إخوتك يجلس في القصر وأنا أدبّر ، ولا تسألني عن شيء من الأموال لأنّ ما أجبيه يكون بإزاء ما أنفقه من الأموال ، وإذا أردت أمرا فعلته من غير أن أنتظر ورود أمرك فيه لبعد ما بين مصر والمغرب ، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره إليّ » . فغضب المعزّ وقال : « يا جعفر عزلتني عن ملكي ، وأردت أن تجعل لي فيه شريكا في أمري ، واستبددت بالأعمال والأموال دوني . قم فقد أخطأت حظّك ، وما أصبت رشدك » ، فخرج عنه . ثم إنّه استدعى يوسف بن زيري الصّنهاجي وقال له : « تأهّب لخلافة المغرب » . فأكبر ذلك وقال : « يا مولانا أنت وآباؤك الأئمّة من ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما صفا لكم المغرب ، فكيف يصفولي وأنا صنهاجي بربري ؟ قتلتني يا مولانا بغير سيف ولا رمح » . فما زال به المعزّ حتى أجاب بشريطة أنّ المعزّ يولّي القضاء والخراج لمن يراه ويختاره ، ويجعل الخبر لمن يثق به ، ويجعله قائما بين أيدي هؤلاء ، فمن استعصى عليهم يأمره هؤلاء به حتى يعمل به ما يجب ، ويكون الأمر لهم ، ويصير كالخادم بين أولئك ؛ فأحبّ المعزّ ما قال وشكره . فلمّا انصرف قال أبو طالب بن القائم بأمر اللّه للمعزّ : « يا مولانا ، وتثق بهذا القول من يوسف ، وأنّه يقوم بوفاء ما ذكر ؟ » فقال المعزّ : « يا عمّنا ، كم بين قول يوسف وقول جعفر ، فاعلم يا عمّ أنّ الأمر الذي طلبه جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف ، وإذا تطاولت المدّة سينفرد بالأمر ، ولكن هذا أوّلا أحسن وأجود عند ذوي العقل ، وهو نهاية ما يفعله [ من يترك دياره ] « c » « 2 » . وكانت أمّ الأمراء قد وجّهت من المغرب صبيّة لتباع بمصر ، فعرضها وكيلها في مصر للبيع ، وطلب فيها ألف دينار . فحضر إليه في بعض الأيّام امرأة شابّة على حمار لتقلّب الصّبيّة ، فساومته

--> ( a ) بولاق : الاستناد . ( b ) أبي أحمد ساقطة من بولاق . ( c ) زيادة من ابن سعيد واتعاظ الحنفا . ( 1 ) ابن سعيد : النجوم الزاهرة 43 ( ومصدره أيضا ابن مهذب الذي بدأ الخبر بقوله : « وجدت في خزانة الخاصّة كتابا من المعزّ إلى عبده جوهر ، وهو بمصر والشّام ، كان في فصل منه » ) ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 : 98 . ( 2 ) نفسه 44 - 45 ( عن ابن مهذب ) ؛ نفسه 1 : 99 - 100 .