المقريزي
187
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فيها وابتاعتها منه بستّ مائة دينار ، فإذا هي ابنة الإخشيد محمد بن طغج ، وقد بلغها خبر هذه الصّبيّة ، فلمّا رأتها شغفتها حبّا فاشترتها لتستمتع بها « 1 » . فعاد الوكيل إلى المغرب وحدّث المعزّ بذلك فأحضر الشّيوخ ، وأمر الوكيل فقصّ عليهم خبر ابنة الإخشيد مع الصّبيّة إلى آخره ، فقال المعزّ : « يا إخواننا انهضوا إلى مصر ، فلن يحول بينكم وبينها شيء ، فإنّ القوم قد بلغ بهم التّرف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتّع بها ، وما هذا إلّا من ضعف نفوس رجالهم وذهاب غيرتهم ، فانهضوا لمسيرنا إليهم » . فقالوا : « السّمع والطّاعة » . فقال : خذوا في حوائجكم ، فنحن نقدّم الاختيار لمسيرنا إن شاء اللّه » « 2 » . وكان قيصر ومظفّر الصّقلبيّان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والد المعزّ ، وكان المظفّر يدلّ على المعزّ من أجل أنّه علّمه الخطّ في صغره ، فحرد عليه مرّة وولّى ، فسمعه المعزّ يتكلّم بكلمة صقلبيّة استراب منها ، ولقّنها منه وأنفت نفسه من السؤال عن معناها . فأخذ يحفظ اللّغات : فابتدأ بتعلّم اللغة البربريّة حتى أحكمها : ثم تعلّم الرّومية والسّودانية حتى أتقنهما ، ثم أخذ يتعلّم الصّقلبيّة ، فمرّت به تلك الكلمة ، فإذا هي سبّ قبيح ، فأمر بمظفّر فقتل من أجل تلك الكلمة « 3 » . وبلغه [ - وهو بالمغرب - ] « a » أمر الحرب التي كانت بين بني حسن وبني جعفر بالحجاز ، حتى قتل من بني حسن أكثر ممّن قتل من بني جعفر ، فأنفذ مالا ورجالا في السّرّ ما زالوا بالطائفتين حتى اصطلحتا ، وتحمّل الرجال عن كلّ منهما الحمالات ، فجاء الفاضل في القتلى لبني حسن عند بني جعفر نحو سبعين قتيلا ، فأدّوا عنهم ، وعقدوا بينهم الصّلح في الحرم تجاه الكعبة ، وتحمّلوا عنهم الدّيات من مال المعزّ ، وكان ذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة . فصارت هذه الفعلة يدا عند بني حسن للمعزّ ، فلمّا ملك جوهر مصر ، بادر حسن بن جعفر الحسني بالدّعاء للمعزّ في مكّة ، وبعث إلى جوهر بالخبر ، فسيّر إلى المعزّ يعرّفه بإقامة الدّعوة له بمكّة ، فأنفذ إليه بتقليده الحرم وأعماله « 4 » .
--> ( a ) إضافة من اتعاظ الحنفا . ( 1 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 : 100 . ( 2 ) نفسه 1 : 100 . ( 3 ) نفسه 1 : 101 . ( 4 ) نفسه 1 : 101 .