المقريزي

185

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ولمّا أخذ في تجهيز جوهر بالعساكر إلى أخذ ديار مصر ، حتى تهيّأ أمره وبرز للمسير ، بعث المعزّ خفيفا الصّقلبي « 1 » إلى شيوخ كتامة يقول : « يا إخواننا قد رأينا أن ننفذ رجالا إلى بلدان كتامة يقيمون بينهم ، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم ، ويحفظونها علينا « a » في بلادهم ، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنّا بها على ما نحن بسبيله » . فقال بعض شيوخهم « 2 » لخفيف لمّا بلغه ذلك : « قل لمولانا : واللّه لا فعلنا هذا أبدا ، كيف تؤدّي كتامة الجزية ، ويصير عليها في الدّيوان ضريبة ، وقد أعزّها اللّه قديما بالإسلام ، وحديثا معكم بالإيمان ، وسيوفنا بطاعتكم في المشرق والمغرب ؟ ! فعاد خفيف إلى المعزّ بذلك ، فأمر بإحضار جماعة كتامة ، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه ، فقال : ما هذا الجواب الذي صدر عنكم ؟ فقالوا : هذا جواب جماعتنا ، ما كنّا يا مولانا بالذي نؤدّي جزية تبقى علينا . فقام المعزّ في ركابه وقال : بارك اللّه فيكم ، فكهذا أريد أن تكونوا ، وأنّما أردت أن أختبركم فأنظر كيف أنتم بعدي « 3 » . فسار جوهر ، وأخذ مصر كما قد ذكر في ترجمته عند ذكر سور القاهرة من هذا الكتاب « 4 » . فلمّا ثبتت قدم جوهر بمصر ، كتب إليه المعزّ جوابا عن كتابه : « وأمّا ما ذكرت يا جوهر من أنّ جماعة بني حمدان وصلت إليك كتبهم يبذلون الطّاعة ، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك ، فاسمع لما أذكره لك : احذر أن تبتدئ أحدا من آل حمدان بمكاتبة ترهيبا له ولا ترغيبا ، ومن كتب إليك كتابا منهم فأجبه بالحسن الجميل ولا تستدعه إليك ، ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه ، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف ، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء عليها مدار العالم وليس لهم فيها نصيب : يتظاهرون بالدّين وليس لهم فيه نصيب ، ويتظاهرون بالكرم وليس

--> ( a ) بولاق : عليهم . ( 1 ) خفيف الشّمّاس الصّقلي صاحب الستر . ( 2 ) هو محمد بن علي بن سلمان شيخ كتامة في وقته ، كما عند ابن سعيد . ( 3 ) ابن سعيد : النجوم الزاهرة 41 - 42 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 : 98 . ( 4 ) فيما يلي 256 - 258 .