المقريزي

184

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

دنياكم ، وبما خصّني اللّه به من إمامتكم ، وإنّي مشغول بكتب ترد عليّ من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي ، وإنّي لا أشتغل بشيء من ملاذّ الدنيا إلّا بما يصون أرواحكم ، ويعمّر بلادكم ، ويذلّ أعداءكم ، ويقمع أضدادكم « a » ؛ فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثل ما أفعله ، ولا تظهروا التكبّر والتجبّر ، فينزع اللّه النّعمة عنكم ، وينقلها إلى غيركم ، وتحنّنوا على من وراءكم ممن لا يصل إليّ كتحنّني عليكم ، ليتّصل في النّاس الجميل ، ويكثر الخير ، وينتشر العدل ، وأقبلوا بعدها على نسائكم ، والزموا الواحدة التي تكون لكم ، ولا تشرهوا إلى التكثّر منهن والرّغبة فيهن ، فيتنغّص عيشكم ، وتعود المضرّة عليكم ، وتنهكوا أبدانكم ، وتذهب قوّتكم وتضعف نحائزكم « 1 » ، فحسب الرّجل الواحد الواحدة ، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم ؛ واعلموا أنّكم إذا لزمتم ما آمركم به ، رجوت أن يقرّب اللّه علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم ، انهضوا رحمكم اللّه ونصركم . فخرجوا عنه » « 2 » . واستدعى يوما أبا جعفر حسين بن مهذّب صاحب بيت المال - وهو في وسط القصر قد جلس على صندوق ، وبين يديه ألوف صناديق مبدّدة - فقال له : هذه صناديق مال ، وقد شذّ عنّي ترتيبها فانظرها ورتّبها ؛ قال : فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة ، وبين يديه جماعة من خدّام بيت المال والفرّاشين ، فأنفذت إليه أعلمه ، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها ، وأن يغلق عليها وتختم بخاتمه ، وقال : قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك . فكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار ، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة ، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيّرها إلى مصر من سنة ثمان وخمسين إلى سنة اثنتين وستين وثلاث مائة « 3 » .

--> ( a ) الصيغة عند ابن سعيد وفي اتعاظ الحنفا بالماضي : صان ، عمر ، ذل ، قمع . ( 1 ) النحائز : جمع نحيزة وهي الطبيعة . ( 2 ) ابن سعيد : النجوم الزاهرة 39 - 40 ( ومصدره كتاب « سيرة الأئمة » لأبي العلاء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن مهذّب ، وهو مؤلف قيرواني الأصل كانت أسرته قد قدمت مع المعزّ إلى مصر ، ولا نعرف على التحديد الفترة التي عاش فيها ، إلّا أنّه كان موجودا في زمن الحاكم بأمر اللّه ) ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 : 95 - 96 . ( 3 ) نفسه 41 ؛ نفسه 96 - 97 .