المقريزي

148

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

أيضا أن يرموا في النّيل الذي يشربون منه فضول حيواناتهم وجيفها ، وخرّارات كنفهم تصبّ فيه ، وربّما انقطع جري الماء فيشربون هذه العفونة باختلاطها بالماء . وفي خلال الفسطاط مستوقدات عظيمة يصعد منها في الهواء دخان مفرط . وهي أيضا كثيرة الغبار لسخانة أرضها ، حتى إنّك ترى الهواء في أيام الصّيف كدرا يأخذ بالنّفس ، ويتّسخ الثّوب النّظيف في اليوم الواحد ، وإذا مرّ الإنسان في حاجة لم يرجع إلّا وقد اجتمع في وجهه ولحيته غبار كثير ، ويعلوها في العشيّات - خاصّة في أيام الصّيف - بخار كدر أسود وأغبر ، سيّما إذا كان الهواء سليما من الرّياح . وإذا كانت هذه الأشياء كما وصفنا ، فمن البيّن أنّه تصيّر « a » الرّوح الحيواني الذي فينا « b » حاله كهذه الحال ، فيتولّد إذن في البدن من هذه الأعراض فضول كثيرة واستعدادت نحو العفن ، إلّا أنّ إلف أهل الفسطاط لهذه الحال وأنسهم بها ، يعوق عنهم أكثر شرّها ، وإن كانوا على كلّ حال أسرع أهل مصر وقوعا في الأمراض . وما يلي النّيل من الفسطاط يجب أن يكون أرطب ممّا يلي الصّحراء ، وأهل الشّرف « c » أصلح حالا لتخرّق الرّياح لدورهم ، وكذلك عمل فوق والحمراء ، إلّا أنّ أهل الشّرف [ ماؤهم ] « d » الذي يشربونه أجود ، لأنّه يستقى قبل أن تخالطه عفونة الفسطاط . فأمّا القرافة فأجود هذه المواضع « 1 » ؛ لأنّ المقطّم يعوّق بخار الفسطاط من المرور بها ، وإذا هبّت ريح الشّمال مرّت بأجزاء كثيرة من بخار الفسطاط والقاهرة على الشّرف فغيّرت حاله . وظاهر أنّ المواضع المكشوفة في هذه المدينة هي أصحّ هواء ، وكذلك حال المواضع المرتفعة « 2 » وأردأ موضع في المدينة الكبرى هو ما كان من الفسطاط حول الجامع العتيق إلى ما يلي النّيل والسّواحل . وإذا كان في الشّتاء وأوّل الرّبيع ، حمل من بحر الملح سمك كثير ، فيصل إلى هذه المدينة وقد عفن وصارت له رائحة منكرة جدّا فيباع في القاهرة ، ويأكله أهلها وأهل الفسطاط فيجتمع في أبدانهم منه فضول كثيرة عفنة ؛ فلو لا اعتدال أمزجتهم ، وصحّة أبدانهم في هذا الزّمان ، لكان ذلك يولّد في أبدانهم أمراضا كثيرة قاتلة ، إلّا أنّ قوّة الاستمرار تعوق عن ذلك .

--> ( a ) بولاق : يصير . ( b ) بولاق : فيها . ( c ) بولاق : الشرق . ( d ) زيادة من ابن رضوان . ( 1 ) انظر عن القرافة فيما يلي 2 : 443 . ( 2 ) ابن رضوان : دفع مضار الأبدان 155 - 160 .