المقريزي

149

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وربّما انقطع النّيل في آخر الرّبيع وأوّل الصّيف من جهة الفسطاط ، فيعفن بكثرة ما يلقى فيه ، إلى أن يبلغ عفنه إلى أن تصير له رائحة منكرة محسوسة . وظاهر أنّ هذا الماء إذا صار على هذه الحال غيّر مزاج النّاس تغيّرا محسوسا « 1 » . قال : فمن البينّ أن أهل هذه المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض ، ما خلا أهل الفيّوم فإنّها أيضا قرية « a » . وأردأ ما في المدينة [ الكبرى ] « b » الموضع الغائر من الفسطاط . ولذلك غلب على أهلها الجبن وقلّة الكرم ، وأنّه ليس أحد منهم يغيث ولا يضيّف الغريب إلّا في النادر ، وصاروا من السّعاية والاغتياب على أمر عظيم . ولقد بلغ بهم الجبن إلى أنّ خمسة أعوان تسوق منهم مائة رجل وأكثر ، ويسوق الأعوان المذكورين رجل واحد من أهل البلدان الأخر وممّن قد تدرّب في الحرب . فقد استبان إذن العلّة والسّبب في أن صار أهل المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض ، وأضعف أنفسا . ولعلّ لهذا السّبب اختار القدماء اتّخاذ المدينة في غير هذا الموضع : فمنهم من جعلها بمنف وهي مصر القديمة ، ومنهم من جعلها بالإسكندرية ، ومنهم من جعلها بغير هذه المواضع ، ويدلّ على ذلك آثارهم « 2 » . وقال ابن سعيد عن كتاب « الكمائم » « 3 » : وأمّا فسطاط مصر فإنّ مبانيها كانت في القديم متّصلة بمباني مدينة عين شمس ، وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن ، وعليه نزل عمرو بن العاص ، وضرب فسطاطه ، حيث المسجد الجامع المنسوب إليه . ثم لمّا فتحها قسم

--> ( a ) ابن رضوان : وبيئة ، بولاق : قريبة . ( b ) زيادة من ابن رضوان . ( 1 ) ابن رضوان : دفع مضار الأبدان 165 . ( 2 ) نفسه 166 - 167 . هذا الرأي الذي أورده ابن رضوان ينتقد موضع المدينة من الناحية الصحية فقط ، وفي حقيقة الأمر إن موقع الفسطاط الذي تطورت ونمت فيه جهة الشمال عواصم مصر الإسلامية التالية : العسكر والقطائع ثم القاهرة ، موقع فريد حتّمته طبيعة الأرض المصرية ، هو نقطة التقاء رأس الدلتا بجنوب الوادي ( المحور الشمالي الجنوبي للبلاد ) . ( 3 ) كتاب الكمائم للبيهقي مصدر مهمّ من مصادر ابن سعيد المغربي يقول : « وقد جمعت ملتقطات من كتاب البيهقي وكتاب القرطي وغيرهما من الكتب وأضفتها إلى ما عاينته وعلمته من أمر مدينة القاهرة لأني سكنت فيها كثيرا داخلا وخارجا » ( النجوم الزاهرة في حلى حضرة القاهرة 22 ) . ولم يحدّد ابن سعيد عنوان الكتاب أو اسم مؤلّفه بأكثر من ذلك .