المقريزي
140
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
مصر ، وساروا إلى الشّام والعراق ، وخرج من خزائن القصر ما يجلّ وصفه « 1 » . وقد ذكر طرف من ذلك في أخبار القاهرة عند ذكر خزائن القصر « 2 » . فاضطرّ الأجناد - مع « a » ما هم فيه من شدّة الجوع - إلى مصالحة ابن حمدان ، بشرط أن يقيم في مكانه ويحمل إليه مال مقرّر ، وينوب عنه شاذي بالقاهرة . فرضي بذلك وسيّر الغلال إلى القاهرة ومصر ، فسكن ما بالناس من شدّة الجوع قليلا . ولم يكن ذلك إلّا نحو شهر ، ووقع الاختلاف عليه ، فقدم من البحيرة إلى مصر وحاصرها وانتهبها ، وأحرق دورا عديدة بالسّاحل ، ورجع إلى البحيرة « 3 » . فدخلت سنة أربع وستين والحال على ذلك ، وشاذي قد استبدّ بأمر الدولة ، وفسد ما بينه وبين ابن حمدان ، ومنعه من المال الذي تقرّر له ، وشحّ به عليه فلم يوصّله إلّا القليل . « b » فحرّك ذلك من « b » ابن حمدان ، وجمع العربان وسار إلى الجيزة ، وخادع شاذي حتى صار إليه ليلا في عدّة من الأكابر ، فقبض عليه وعليهم ، وبعث أصحابه فنهبوا مصر وأطلقوا فيها النار ، فخرج إليهم عسكر المستنصر من القاهرة وهزموهم . فعاد إلى البحيرة ، وبعث رسولا إلى الخليفة القائم بأمر اللّه ببغداد يخبره « a » بإقامة الخطبة له ، وسأله الخلع والتّشاريف . فاضمحلّ أمر المستنصر وتلاشى ذكره ، وتفاقم الأمر في الشّدة من الغلاء حتى هلكوا . فسار ابن حمدان إلى البلد وليس في أحد قوّة يمنعه بها ، فملك القاهرة ، وامتنع المستنصر بالقصر ، فسيّر إليه رسولا يطلب منه المال ، فوجده وقد ذهب سائر ما كان يعهده من أبّهة الخلافة حتى جلس على حصير ، ولم يبق معه سوى ثلاثة من الخدم ، فبلّغه رسالة ابن حمدان ، فقال المستنصر للرّسول : ما يكفي ناصر الدّولة أن أجلس في مثل هذا البيت على هذا الحال ؟ ! فبكى الرّسول رقّة له ، وعاد إلى ابن حمدان ، فأخبره بما شاهد من اتّضاع أمر المستنصر وسوء حاله . فكفّ عنه ، وأطلق له في كلّ شهر مائة دينار ، وامتدّت يده وتحكّم ، وبالغ في إهانة المستنصر مبالغة عظيمة ، وقبض على أمّه وعاقبها أشدّ العقوبة ، واستصفى أموالها فحاز منها شيئا كثيرا .
--> ( a ) ساقطة من بولاق . ( b ) بولاق : فحرد من ذلك . ( 1 ) ابن ميسر : أخبار مصر 36 ؛ النويري : نهاية 28 : 230 ؛ المقريزي : اتعاظ 2 : 302 - 303 . ( 2 ) انظر فيما يلي 355 - 401 . ( 3 ) ابن ميسر : أخبار مصر 37 ؛ النويري : نهاية الأرب 28 : 230 - 231 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 305 .