المقريزي
141
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فتفرّق حينئذ عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده من الجوع ، فمنهم من سار إلى المغرب ، ومنهم من سار إلى الشّام والعراق « 1 » . قال الشّريف محمّد بن أسعد الجوّاني النّسّابة في كتاب « النّقط » : حلّ بمصر غلاء شديد في خلافة المستنصر باللّه ، في سنة سبع وخمسين وأربع مائة ، وأقام إلى سنة أربع وستين وأربع مائة ، وعمّ مع الغلاء وباء شديد ، فأقام ذلك سبع سنين ، والنّيل يمدّ وينزل فلا يجد من يزرع . وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد ، فانقطعت الطّرقات برّا وبحرا إلّا بالخفارة الكثيرة مع ركوب الغرر ، ونزا المارقون بعضهم على بعض ، واستولى الجوع لعدم القوت ، وصار الحال إلى أن بيع رغيف من الخبز الذي وزنه رطل بزقاق القناديل كبيع الطّرف في النّداء ، بأربعة عشر « a » درهما ، وبيع أردبّ من القمح بثمانين دينارا ، ثم عدم ذلك وأكلت الكلاب والقطاط ، ثم تزايد الحال حتى أكل النّاس بعضهم بعضا . وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السّقوف قريبة ممّن يسعى في الطّرقات ويطوف ، وقد أعدّوا سلبا وخطاطيف ، فإذا مرّ بهم أحد شالوه في أقرب وقت ، ثم ضربوه بالأخشاب وشرّحوا لحمه وأكلوه « 2 » ! قال : وحدّثني بعض نسائنا الصّالحات قالت : كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر ، فكنّا نسألها فتقول : أنا ممّن خطفني أكلة النّاس في الشّدّة فأخذني إنسان - وكنت ذات جسم وسمن - فأدخلني إلى بيت فيه سكاكين وآثار الدّماء وزفرة القتلى ، فأضجعني على وجهي وربط في يديّ ورجليّ سلبا إلى أوتاد حديد عريانة ، ثم شرّح من أفخاذي شرائح وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني ، ثم أضرم الفحم وشوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا ، ثم سكر حتى وقع على جنبه لا يعرف أين هو ، فأخذت في الحركة إلى أن تخلّى « b » أحد الأوتاد ، وأعان اللّه على الخلاص وتخلّصت ، وحللت الرّباط ، وأخذت خرقا من داره ولففت بها أفخاذي ، وزحفت إلى باب الدار ، وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى المأمن ، وجئت إلى بيتي وعرّفتهم بموضعه ، فمضوا إلى
--> ( a ) ظ : وعشرين . ( b ) بولاق : انحل . ( 1 ) ابن ميسر : أخبار مصر 38 ؛ النويري : نهاية 28 : 231 - 232 ، 233 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 306 - 307 . ( 2 ) قارن مع ابن ميسر : أخبار 57 ؛ ابن الأثير : الكامل 10 : 58 - 59 ؛ النويري : نهاية 28 : 233 - 234 ؛ المقريزي : إغاثة الأمة 25 - 26 ؛ أبي المحاسن : النجوم 5 : 17 .