المقريزي

139

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وميلهم مع المستنصر ، فخرج إلى الجيزة ، وانتهب النّاس دوره ودور حواشيه . فلمّا جنّ عليه الليل ، عاد من الجيزة سرّا إلى دار القائد تاج الملوك شاذي ، وترامى عليه وقبّل رجليه ، وسأله النّصرة على الذّكر والوزير الخطير ، فإنّهما قاما بهذه الفتنة ، فأجابه إلى ذلك ، ووعده بقتل المذكورين ، وفارقه ابن حمدان . فلمّا كان من الغد ركب شاذي في أصحابه ، وأخذ يسير بين القصرين بالقاهرة ، وأقبل الوزير الخطير في موكبه ، فبادره شاذي على حين غفلة وقتله ، ففرّ الذّكر إلى القصر والتجأ بالمستنصر ، فلم يكن بأسرع من قدوم ابن حمدان وقد استعدّ للحرب فيمن معه . فركب المستنصر بلأمة الحرب ، واجتمع إليه الأجناد والعامّة ، وصار في عدد لا ينحصر وبرزت الفرسان . فكانت بين الخليفة وابن حمدان حروب آلت إلى هزيمة ابن حمدان ، وقتل كثير من أصحابه ، فمضى في طائفة إلى البحيرة ، وترامى على بني سنبس وتزوّج منهم « 1 » . فعظم الأمر بالقاهرة ومصر ، من شدّة الغلاء وقلّة الأقوات ، لما فسد من الأعمال بكثرة النّهب وقطع الطّريق ، حتى أكل النّاس الجيف والميتات ، ووقف أرباب الفساد في الطريق ، فصاروا يقتلون من ظفروا به في أزقّة مصر ، فهلك من أهل مصر في هذه الحروب والفتن ما لا يمكن حصره « 2 » . وامتدّ ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وستين ، فجهّز المستنصر عساكره لقتال ابن حمدان بالبحيرة ، فسارت إليه ولم يوفّق في محاربته ، فكسرها كلّها واحتوى على ما كان معها من سلاح وكراع ومال ، فتقوّى به وقطع الميرة عن البلد ، ونهب أكثر الوجه البحري ، وقطع منه الخطبة للمستنصر ، ودعا للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي بالإسكندرية ودمياط وعامّة الوجه البحري . فاشتدّ الجوع ، وتزايد الموتان بالقاهرة ومصر / ، حتى إنّه كان يموت الواحد من أهل البيت ، فلا يمضي يوم وليلة من موته حتى يموت سائر من في ذلك البيت ولا يجد « a » من يستولي عليه . ومدّت الأجناد أيديها إلى النّهب ، فخرج الأمر عن الحدّ ، ونجا أهل القوّة بأنفسهم من

--> ( a ) بولاق : يوجد . ( 1 ) ابن ميسر : أخبار مصر 33 - 34 ؛ ابن الأثير : الكامل 10 - 84 ؛ النويري : نهاية الأرب 28 : 228 - 229 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 278 - 279 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 5 : 21 - 22 . ( 2 ) نفسه 35 ؛ ابن القلانسي : ذيل تاريخ دمشق 97 - 98 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 279 .