المقريزي
138
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
هذا والعبيد ببلاد الصّعيد على حالهم ، وبالإسكندرية أيضا منهم جمع كثير ، فسار ابن حمدان إلى الإسكندرية وحاصرهم فيها مدّة حتى سألوه الأمان ، فأخرجهم وأقام فيها من يثق به . وانقضت هذه السّنة كلّها في قتال العبيد « 1 » . ودخلت سنة ستين وأربع مائة وقد خرق الأتراك ناموس المستنصر ، واستهانوا به واستخفّوا بقدره ، وصار مقرّرهم في كلّ شهر أربع مائة ألف دينار بعد ما كان ثمانية وعشرين ألف دينار ، ولم يبق في الخزائن مال ، فبعثوا يطالبونه بالمال ، فاعتذر إليهم بعجزه عن ما طلبوه ، فلم يعذروه وقالوا : بع ذخائرك ، فلم يجد بدّا من إجابتهم ، وأخرج ما كان في القصر من الذّخائر ، فصاروا يقوّمون ما يخرج إليهم بأخسّ القيم وأقلّ الأثمان ، ويأخذون ذلك في واجباتهم . وتجهّز ابن حمدان ، وسار إلى الصّعيد يريد قتال العبيد - وكانت شرورهم قد كثرت ، وضررهم وفسادهم قد تزايد - فلقيهم وواقعهم غير مرّة ، والأتراك تنكسر منهم وتعود إلى محاربتهم إلى أن حمل العبيد عليهم حملة انهزموا فيها إلى الجيزة . فأفحشوا عند ذلك في أمر المستنصر ، ونسبوه إلى مباطنة العبيد وتقويتهم ، فأنكر ذلك وحلف عليه . فأخذوا في إصلاح شأنهم ولمّ شعثهم ، وساروا لقتال العبيد ، وما زالوا يلحّون في قتالهم حتى انكسرت العبيد كسرة شنيعة ، وقتل منهم خلق كثير وفرّ من بقي ، فذهبت شوكتهم ، وزالت دولتهم . ورجع ابن حمدان وقد كشف قناع الحياء ، وجهر بالسّوء للمستنصر ، واستبدّ بسلطنة البلاد « 2 » . ودخلت سنة إحدى وستين وابن حمدان مستبدّ بالأمر مجاف للمستنصر ، فثقل مكانه على الأتراك ، وتفرّغوا من العبيد ، والتفتوا إليه وقد استبدّ بالأمور دونهم ، واستأثر بالأموال عليهم ، ففسد ما بينهم وبينه ، وشكوا منه إلى الوزير خطير الملك « 3 » ، فأغراهم به ، ولامهم على ما كان من تقويته ، وحسّن لهم الثّورة به . فصاروا إلى المستنصر ووافقوه على ذلك ، فبعث إلى ابن حمدان يأمره بالخروج عن مصر ، ويهدّده إن امتنع . فلم يقدر على الامتناع منه لفساد الأتراك عليه
--> ( 1 ) ابن ميسر : أخبار مصر 31 - 32 ؛ النويري : نهاية الأرب 28 : 225 - 227 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 273 - 274 . ( 2 ) نفسه 32 - 33 ؛ نفسه 28 : 227 - 229 ؛ نفسه 2 : 275 - 276 . ( 3 ) الوزير خطير الملك محمد بن الحسن بن علي اليازوري ، استقر في القضاء والوزارة جميعا في ثالث عشر صفر سنة 461 ه / 1068 م ، وصرف عنها في شوال من نفس السنة ، ( ابن ميسر : أخبار مصر 17 ، 34 ، 35 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 278 ، المقفى الكبير 5 : 549 - 550 ؛ ابن حجر : رفع الإصر 136 ) .