المقريزي
137
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فكرهت الأتراك ذلك ، وكان ما ذكر « 1 » . فظفر بعض الأتراك يوما بشيء من المال والسّلاح قد بعثت به أمّ المستنصر إلى العبيد تمدّهم به بعد انهزامهم من كوم شريك ، فاجتمعوا بأسرهم ، ودخلوا على المستنصر وأغلظوا في القول ؛ فحلف أنّه لم يكن عنده علم بما ذكر ، وصار إلى أمّه فأنكرت ما فعلت . وخرج الأتراك فصار السّيف قائما ، ووقعت الفتنة ثانيا ، فانتدب المستنصر أبا الفرج بن المغربي ليصلح بين الطائفتين ، فاصطلحا على غلّ ، وخرج العبيد إلى شبرا دمنهور ، فكان هذا أوّل اختلال أحوال أهل مصر « 2 » . ودبّت عقارب العداوة بين الفئتين إلى سنة تسع وخمسين ، فقويت شوكة الأتراك ، وضروا على المستنصر ، وزاد طمعهم / فيه ، فطلبوا منه الزيادة في واجباتهم وضاقت أحوال العبيد واشتدّت ضرورتهم ، وكثرت حاجتهم ، وقلّ مال السّلطان واستضعف جانبه . فبعثت أمّ المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك ، فاجتمعوا بالجيزة ، وخرج إليهم الأتراك ومقدّمهم ناصر الدين حسين بن حمدان ، فاقتتلا عدّة مرار ظهر في آخرها الأتراك على العبيد ، وهزموهم إلى بلاد الصّعيد . فعاد ابن حمدان إلى القاهرة ، وقد عظم أمره وقوي جأشه ، وكبرت نفسه واستخفّ بالخليفة ، فجاءه الخبر أنّه قد تجمّع من العبيد ببلاد الصّعيد خمسة « a » عشر ألف فارس ، فقلق وبعث بمقدّمي الأتراك إلى المستنصر ، فأنكر ما كان من اجتماع العبيد ، وجفوا في خطابهم ، وفارقوه على غير رضى منهم ، فبعثت أمّ المستنصر إلى من بحضرتها من العبيد تأمرهم بالإيقاع على غفلة بالأتراك ، فهجموا عليهم وقتلوا منهم عدّة . فبادر ابن حمدان إلى الخروج ظاهر القاهرة ، وتلاحق به الأتراك ، وبرز إليهم العبيد المقيمون بالقاهرة ومصر ، وحاربوهم عدّة أيام . فحلف ابن حمدان أنّه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل الأمر إمّا له أو عليه . وجدّ كلّ من الفريقين في القتال ، فظهرت الأتراك على العبيد ، وأثخنوا في قتلهم وأسرهم ، فعادوا إلى القاهرة ، وتتّبع ابن حمدان من في البلد منهم حتى أفنى معظمهم .
--> ( a ) بولاق : نحو خمسة . ( 1 ) انظر فيما يلي 398 - 399 . ( 2 ) ابن ميسر : أخبار مصر 24 - 25 ؛ النويري : نهاية الأرب 28 : 224 - 225 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 265 - 267 ، وإغاثة الأمة بكشف الغمة 24 - 27 ؛ وانظر أيضا أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 5 : 13 - 20 ؛ ابن إياس : بدائع الزهور 1 / 1 : 216 - 219 .