المقريزي

136

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الصّلاة في جامع القسطنطينية ، فأذن له في ذلك ، فدخل إليه وصلّى فيه صلاة الجمعة ، وخطب للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي « 1 » . فبعث القاضي القضاعي إلى المستنصر يخبره بذلك ، فأرسل إلى كنيسة قمامة ببيت المقدس وقبض على جميع ما فيها - وكان شيئا كثيرا - من أموال النّصارى ، ففسد من حينئذ ما بين المصريين والرّوم « a » حتى استولوا على بلاد السّاحل كلّها ، وحاصروا القاهرة كما يرد في موضعه إن شاء اللّه . واشتدّ في هذه السّنة الغلاء ، وكثر الوباء بمصر والقاهرة وأعمالها إلى سنة أربع وخمسين وأربع مائة ، فحدث مع ذلك الفتنة العظيمة التي خرب بسببها إقليم مصر كلّه . وذلك أنّ المستنصر لمّا خرج على عادته في كلّ سنة على النّجب مع النّساء والحشم إلى أرض الجبّ خارج القاهرة ، جرّد بعض الأتراك سيفا وهو سكران على أحد عبيد الشّراء ، فاجتمع عليه كثير من العبيد وقتلوه . فحنق لقتله الأتراك ، وساروا بجميعهم إلى المستنصر وقالوا : إن كان هذا عن رضاك فالسّمع والطّاعة ، وإن كان من غير رضى أمير المؤمنين فلا نرضى بذلك . فتبرّأ المستنصر ممّا جرى وأنكره . فتجمّع الأتراك لمحاربة العبيد ، وكانت بينهما حروب شديدة بناحية كوم شريك ، قتل فيها عدّة من العبيد ، وانهزم من بقي منهم . فشقّ ذلك على أمّ المستنصر ، فإنّها كانت السّبب في كثرة العبيد السّود بمصر . وذلك أنّها كانت جارية سوداء فأحبّت الاستكثار من جنسها ، واشترتهم من كلّ مكان . وعرفت رغبتها في هذا الجنس ، فجلب الناس إلى مصر منهم حتى يقال إنّه صار في مصر إذ ذاك زيادة على خمسين ألف عبد أسود . فلمّا كانت وقعة كوم شريك ، أمدّت العبيد بالأموال والسّلاح سرّا . وكانت أمّ المستنصر قد تحكّمت في الدّولة ، وحقدت على الأتراك قتلهم « b » مولاها أبا سعد التّستري ، فقوّت « c » العبيد لذلك ، حتى صار الواحد منهم يحكم بما يختار ،

--> ( a ) بولاق : الروم والمصريين . ( b ) بولاق : وحثت على قتلهم . ( c ) بولاق : فقويت . ( 1 ) عن العلاقة بين الفاطميين والروم البيزنطيين قبل معركة منزكرت التي انتصر فيها السّلاجقة على البيزنطيين سنة 463 ه / 1071 م راجع ، . pp , ) 4791 ( 2 / I seidutS enitnazyB , » trekiznaM fo elttaB eht erofeb snoitaleR dimitaF - enitnazyB « , . A , inadmaH 169 - 79 ؛ وعن سفارة القاضي القضاعي إلى القسطنطينية انظر ، ابن ميسر : أخبار مصر 14 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 230 ، المقفى الكبير 5 : 711 - 712 ؛ ومقال محمد عبد اللّه عنان : « سفارة مصرية إلى بلاط بيزنطة في عهد المستنصر باللّه الفاطمي » في كتاب مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية ، القاهرة 1969 ، 114 - 120 .