المقريزي
127
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فمضى الدّقّاق وأعلم أبا زنبور ، فقام من فوره إلى مؤنس فأكبّ على رجليه [ يقبّلهما ] « a » ، فاحتشم منه وقال : واللّه لا أجيبك إلّا هذا الشهر الذي مضى ، ولا تعاود . ثم رجع فقال للدّقّاق : قم له بالوظيفة في المستقبل ، واعمل ما يريده . قال : فجئته وقد فرغ القمح ، ومعي الحساب وأربع مائة دينار ؛ قال : إيش هذا ؟ فقلت : بقيّة ذلك القمح . / فقال : أعفني منه ، وتركه « 1 » . فتأمّل ما اشتمل عليه هذا الخبر من سعة حال كاتب من كتّاب مصر ، كيف كان له في قرية واحدة هذا القدر من صنف القمح ، وكيف صار ممّا يفضل عنه حتى يجعله ضيافة ، وكيف لم يعبأ بأربع مائة دينار حتى وهبها لدقّاق قمح . وما ذاك إلّا من كثرة الغنى « b » ، وقس عليه باقي الأحوال . وقال عن أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي : إنّه حجّ اثنتين وعشرين حجّة متوالية ، أنفق في كلّ حجّة مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار ، وأنّه كان يخرج معه بتسعين ناقة لقتبه « c » التي يركبها ، وأربع مائة لجهازه وميرته ، ومعه المحامل فيها أحواض البقل وأحواض الرّياحين وكلاب الصّيد ، وينفق على الأشراف وأولاد الصّحابة ولهم عنده ديوان بأسمائهم ، وأنّه أنفق في خمس « d » حجّات أخر ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار « 2 » . وكانت جاريته تواصل معه الحجّ ، ومعها لنفسها ثلاثون ناقة لقتبها « e » ، ومائة وخمسون عربيّا لجهازها . وأحصى ما يعطيه كلّ شهر لحاشيته وأهل السّتر وذوي الأقدار ، جراية من الدّقيق الحوّارى ، فكان بضعا وثمانين ألف رطل . وكان سنة القرمطي « 3 » بمكّة ، فمن جملة ما ذهب له به مائتا قميص دبيقي ، سلف « f » كلّ ثوب منها خمسون دينارا « 4 » .
--> ( a ) إضافة من المقفى . ( b ) بولاق : المعاش . ( c ) بولاق : لقبته . ( d ) المقفى : عشر . ( e ) بولاق : لقبتها . ( f ) بولاق : ثمن . ( 1 ) المقريزي : المقفى الكبير 3 : 478 - 479 . ( 2 ) نفسه 6 : 235 . ( 3 ) أي سنة سبع عشرة وثلاث مائة والقرمطيّ المقصود هو أبو سعيد الجنابيّ . ( 4 ) المقريزي : المقفى الكبير 6 : 244 .