المقريزي

93

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

والبأس ، لهم خلق عظيم تام وعظم أجسام . وأدرّ عليهم الأرزاق ، ووسّع لهم في العطاء ، وشغلهم عمّا كانوا فيه من قطع الطريق وأذيّة الناس بخدمته ، وألبسهم الأقبية وجواشن الدّيباج ، وصاغ لهم المناطق العراض الثّقال ، وقلّدهم السّيوف المحلّاة يضعونها على أكتافهم إذا مشوا بين يديه « a » وسمّاهم « المختارة » ، فكان إذا ركب ومضى الحجّاب بين يديه « a » وموكبه على ترتيبه ، ومضت أصناف العسكر وطوائفه ، تلاهم السّودان وعدّتهم ألف أسود ، لهم درق من حديد محكم الصّنعة ، وعليهم أقبية سود وعمائم سود ، فيخالهم الناظر إليهم بحرا أسود يسير لسواد ألوانهم وسواد ثيابهم ، ويصير لبريق درقهم وحليّ سيوفهم والبيض التي تلمع على رؤوسهم من تحت العمائم زيّ بهج ؛ فإذا مضى السّودان قدم خمارويه وقد انفرد عن موكبه ، وصار بينه وبين الموكب نحو نصف غلوة « 1 » سهم والمختارة تحفّ به ، وكان تامّ الظهر ويركب فرسا تامّا ، فيصير كالكوكب إذا أقبل لا يخفى على أحد ، كأنّه قطعة جبل في وسط المختارة . وكان مهابا « b » ذا سطوة ، وقد وقع في قلوب الكافّة أنّه متى أشار إليه أحد بأصبعه أو تكلّم أو قرب منه ، لحقه مكروه عظيم ؛ فكان إذا أقبل كما ذكرنا ، لا يسمع من أحد كلمة ولا سعلة ولا عطسة ، ولا نحنحة ألبتّة ، كأنّما على رؤوسهم الطير ؛ وكان يتقلّد في يوم العيد سيفا بحمائل ، ولا يزال يتفرّج ويتنزّه ، ويخرج إلى مواضع لم يكن أبوه يهشّ إليها ، كالأهرام ومدينة العقاب ونحو ذلك ، لأجل الصّيد فإنّه كان مشغوفا به ، لا يكاد يسمع بسبع إلّا قصده ومعه رجال عليهم لبود ، فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه بأيديهم من غابه عنوة وهو سليم ، فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصّنعة يسع الواحد منها السّبع وهو قائم ، فإذا قدم خمارويه من الصّيد ، سار القفص وفيه السّبع بين يديه . وكانت حلبة السّباق في أيامهم تقوم مقام الأعياد ، لكثرة الزّينة وركوب سائر الغلمان والعساكر - على كثرتهم - بالسّلاح التام والعدد الكاملة ، فيجلس الناس لمشاهدة ذلك كما يجلسون في الأعياد ، وتطلق الخيل من غايتها ، فتمرّ متفاوتة يقدم بعضها بعضا حتى يتمّ السّبق « 2 » .

--> ( a - a ) ساقطة من بولاق . ( b ) بولاق : مهيبا . ( 1 ) الغلوة . رمية سهم أبعد ما يقدر عليه . ( 2 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 59 - 60 .