المقريزي

94

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

قال القضاعيّ : « المنظر » بناه أحمد بن طولون في ولايته لعرض الخيل . وكان عرض الخيل من عجائب الإسلام الأربعة التي منها هذا العرض ، ورمضان بمكّة ، والعيد كان بطرسوس ، والجمعة ببغداد ؛ فبقي من هذه الأربعة شهر رمضان بمكّة ، والجمعة ببغداد ، وذهبت اثنتان « 1 » . قال كاتبه : وقد ذهبت الجمعة من بغداد « a » أيضا بعد القضاعي ، بقتل هولاكو للخليفة المستعصم ، وزوال شعائر الإسلام من العراق ، وبقيت مكّة - شرّفها / اللّه تعالى - وليس في شهر رمضان الآن بها ما يقال فيه إنّه من عجائب الإسلام « 2 » . ولمّا تكامل عزّ خمارويه وانتهى أمره ، بدأ يسترجع منه الدّهر ما أعطاه ؛ فأوّل ما طرقه موت حظيّته بوران التي من أجلها بنى بيت الذّهب ، وصوّر فيه صورتها وصورته كما تقدّم ، وكان يرى أنّ الدّنيا لا تطيب له إلّا بسلامتها وبنظره إليها وتمتّعه بها ، فكدّر موتها عيشه ، وانكسر انكسارا بان عليه . ثم إنّه أخذ في تجهيز ابنته ، فجهّزها جهازا ضاهى به نعم الخلافة ، فلم يبق خطيرة ولا طرفة من كلّ لون وجنس إلّا حمله معها . فكان من جملته دكّة أربع قطع من ذهب ، عليها قبّة من ذهب مشبّك ، في كلّ عين من التشبيك قرط معلّق فيه حبّة جوهر لا يعرف لها قيمة ، ومائة هون من ذهب « 3 » . قال القضاعيّ : وعقد المعتضد النّكاح على ابنته - يعني ابنة خمارويه - قطر النّدى ، فحملها أبو الجيش خمارويه مع أبي « b » عبد اللّه بن الجصّاص « c » « 4 » ، وحمل معها ما لم ير مثله ، ولا يسمع به . ولمّا دخل إليه ابن الجصّاص « c » يودّعه ، قال له خمارويه : هل بقي بيني وبينك حساب ؟ فقال : لا ؛ فقال : انظر حسنا « d » ، فقال : كسر بقي من الجهاز ؛ فقال : أحضروه ، فأخرج ربع طومار فيه

--> ( a ) بولاق : ببغداد . ( b ) ساقطة من بولاق . ( c ) بولاق : الخصاص . ( d ) بولاق : حسابك . ( 1 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 60 وانظر كذلك عرض الخيل عند الفاطميين فيما يلي 467 . ( 2 ) نفسه 3 : 61 . ( 3 ) راجع سبب زواج الخليفة المعتضد العباسي بقطر الندى ابنة خماروية عند أبي المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 52 - 53 . ( 4 ) أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه بن الحسين بن الجصّاص الجوهري المتوفى سنة 315 ه / 927 م ، أحد أعيان التجار ذوي الثروة الواسعة واليسار ، أصله من العراق ثم رحل إلى مصر زمن خمارويه بن أحمد بن طولون الذي قربه وجعله وكيله الوحيد في تجهيز قصره بالأحجار الكريمة ، وهو الذي