المقريزي

91

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

في مكان معدّ لذلك بعد ما يخلّص ما فيه من الغدد ، ويقطعه لهما ، ويغسل الحوض ويملأه ماء ، ثم يخرج ويرفع الباب من أعلاه . وقد عرف السّبع ذاك ، فحال ما يرفع السّائس باب البيت ، دخل إليه الأسد فأكل ما هيّئ له من اللّحم حتى يستوفيه ، ويشرب من الماء كفايته . فكانت هذه مملوءة من السّباع ، ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت السّباع ، فتخرج إلى القاعة « a » وتتشمّس « b » فيها ، وتمرح وتلعب ويهارش بعضها بعضا ، فتقيم يوما كاملا إلى العشيّ ، فيصيح بها السّوّاس ، فيدخل كلّ سبع إلى بيته لا يتخطّاه إلى غيره . وكان من جملة هذه السّباع سبع أزرق العينين يقال له « زريق » قد أنس بخمارويه ، وصار مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا ، ويقام له بوظيفته من الغذاء في كلّ يوم . فإذا نصبت مائدة خمارويه ، أقبل زريق معها ، وربض بين يديه ، فرمى إليه بيده الدّجاجة بعد الدّجاجة ، والفضلة الصّالحة من الجدي ، ونحو ذلك ممّا على المائدة ، فيتفكّه به . وكانت له لبوءة لم تأنس « c » كما أنس ، فكانت مقصورة في بيت ، ولها وقت معروف يجتمع معها فيه . فإذا نام خمارويه جاء زريق ليحرسه ، فإن كان قد نام على سرير ربض بين يدي السرير ، وجعل يراعيه ما دام نائما ، وإن كان إنّما نام على الأرض ، بقي قريبا منه ، وتفطّن لمن يدخل ويقصد خمارويه ، لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة . وكان على ذلك دهره ، قد ألف ذلك ودرّب عليه ، وكان في عنقه طوق من ذهب ، فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ما دام نائما لمراعاة زريق له وحراسته إيّاه ؛ حتى إذا شاء اللّه إنفاذ قضائه في خمارويه ، كان بدمشق وزريق غائب عنه بمصر ، ليعلم أنّه لا يغني حذر من قدر « 1 » . وبنى أيضا « دار الحرم » ، ونقل إليها أمّهات أولاد أبيه مع أولادهن ، وجعل معهنّ المعزولات من أمّهات أولاده ، وأفرد لكلّ واحدة حجرة واسعة ، نزل في كلّ حجرة منها بعد زوال دولتهم ، قائد جليل فوسعته ، وفضل عنه منها شيء . وأقام / لكلّ حجرة ، من الأنزال والوظائف الواسعة ، ما كان يفضل عن أهلها منه شيء كثير ؛ فكان الخدم الموكّلون بالحرم ، من الطّبّاخين وغيرهم ، يفضل لكلّ منهم - مع كثرة عددهم - بعد التوسّع في قوته ، الزّلّة الكبيرة والتي فيها العدّة من

--> ( a ) النجوم : الرحبة . ( b ) بولاق : وتتمشى . ( c ) بولاق : تستأسن . ( 1 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 56 - 57 .