المقريزي

59

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ولم يبق الآن من العسكر ما هو عامر سوى جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون ، وما حوله من الكبش وحدرة ابن قميحة ، إلى خطّ السّبع سقايات وخطّ قناطر السّباع إلى جامع ابن طولون . وأمّا سوق الجامع من قبلية ، وما وراء ذلك إلى المشهد النّفيسي وإلى القبيبات والرّميلة تحت القلعة ، فإنّما هو من القطائع ، كما ستقف عليه عند ذكر القطائع ، وعند ذكر هذه الخطط إن شاء اللّه . وطال ما سلكت هذا الفضاء الذي بين جامع ابن طولون وكوم الجارح حيث كان العسكر ، وتذكّرت ما كان هنالك من الدّور الجليلة والمنازل العظيمة والمساجد والأسواق والحمّامات والبساتين والبركة البديعة والمارستان العجيب ، وكيف بادت حتى لم يبق لشيء منها أثر ألبتّة ، فأنشدت أقول : [ المتقارب ] وبادوا فلا مخبر عنهم * وماتوا جميعا وهذا الخبر فمن كان ذا عبرة فليكن * فطينا ففي من مضى معتبر وكان لهم أثر صالح * فأين هم ثمّ أين الأثر ؟ وسيأتي لذلك مزيد بيان عند ذكر القطائع ، وعند ذكر خطّ قناطر السّباع وغيره من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى « 1 » . اذكر من نزل العسكر من أمراء مصر من حين بني إلى أن بنيت القطائع اعلم أنّ أمراء مصر ما برحوا ينزلون فسطاط مصر ، منذ اختطّ بعد الفتح إلى أن بنى أبو عون العسكر ، فصارت أمراء مصر من عهد أبي عون إنّما ينزلون بالعسكر . وما برحوا على ذلك إلى أن أنشأ الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون القصر والميدان والقطائع ، فتحوّل من العسكر إلى القصر وسكن فيه ، وسكنه الأمراء من أولاده بعده إلى أن زالت دولتهم . فسكن الأمراء بعد ذلك العسكر إلى أن زالت دولة الإخشيدية ، بقدوم جوهر القائد من المغرب . وأوّل من سكن العسكر من أمراء مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد ، من أهل جرجان ، ولي صلاة مصر وخراجها باستخلاف صالح بن عليّ له في مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة « 2 » .

--> ( 1 ) انظر فيما يلي 2 : 135 - 136 ، وانظر وصفه للقطائع فيما يلي 80 - 94 . ( 2 ) الكندي : ولاة مصر 123 .