المقريزي

22

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وكتبوا به كتابا ، وكتب المقوقس إلى ملك الرّوم كتابا يعلمه بالأمر كلّه . فكتب إليه ملك الرّوم يقبّح رأيه ويعجزه ، ويرد عليه ما فعل ، ويقول في كتابه : « إنّما أتاك من العرب اثنا عشر ألفا ، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى ، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبّوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا ، فإنّ عندك بمصر من الرّوم ، وبالإسكندرية ومن معك ، أكثر من مائة ألف معهم العدّة والقوّة ، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت ، فعجزت عن قتالهم ، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الرّوم في حال القبط أذلّاء ، فقاتلهم أنت ومن معك من الرّوم حتى تموت أو تظهر عليهم ، فإنّهم فيكم ، على قدر كثرتكم وقوّتكم وعلى قدر قلّتهم وضعفهم ، كأكلة ، ناهضهم القتال ، ولا يكن لك رأي غير ذلك » . وكتب ملك الرّوم بمثل ذلك كتابا إلى جماعة الرّوم ؛ فقال المقوقس لمّا أتاه كتاب ملك الرّوم : واللّه أعلم أنّهم على قلّتهم وضعفهم أقوى وأشدّ منّا على قوّتنا وكثرتنا ؛ إنّ الرّجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منّا ، وذلك أنّهم قوم الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة ، يقاتل الرجل منهم وهو مستقبل يتمنّى ألّا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده ، ويرون أنّ لهم أجرا عظيما فيمن قتلوه منّا ، ويقولون إنّهم إن قتلوا دخلوا الجنّة ، وليس لهم رغبة في الدنيا ولا لذّة إلّا قدر بلغة العيش من الطّعام واللّباس ؛ ونحن قوم نكره الموت ، ونحبّ الحياة ولذّتها ، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء ، وكيف صبرنا معهم ؟ واعلموا معشر الرّوم ، واللّه إنّي لا أخرج ممّا دخلت فيه ، ولا صالحت العرب عليه ، وإنّي لأعلم أنّكم سترجعون غدا إلى قولي ورأيي ، وتتمنّون أن لو كنتم أطعتموني ، وذلك أنّي قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه ، أما يرضي أحدكم أن يكون آمنا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة . ثم أقبل المقوقس إلى عمرو فقال له : إنّ الملك قد كره ما فعلت وعجّزني ، وكتب إليّ وإلى جماعة الرّوم إلّا نرضى بمصالحتك ، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم ، ولم أكن لأخرج ممّا دخلت فيه وعاقدتك عليه ، وإنّما سلطاني على نفسي ومن أطاعني . وقد تمّ صلح القبط فيما بينك وبينهم ولم يأت من قبلهم نقض ، وأنا متمّ لك على نفسي ، والقبط متمّون لك على الصّلح الذي صالحتهم عليه وعاقدتهم ، وأمّا الرّوم فأنا منهم بريء . وأنا أطلب إليك أن تعطيني