المقريزي
21
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فاستشار عمرو أصحابه في ذلك ، فقالوا : لا نجيبهم إلى شيء من الصّلح ولا الجزية حتى يفتح اللّه علينا ، وتصير الأرض كلّها لنا فيئا وغنيمة ، كما صار لنا القصر وما فيه . فقال عمرو : قد علمتم ما عهد إليّ أمير المؤمنين في عهده ، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إليّ فيها ، أجبتهم إليها وقبلت منهم ، مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم . فاجتمعوا على عهد بينهم ، واصطلحوا على أن يفرض لهم على جميع من بمصر ، أعلاها وأسفلها ، من القبط : ديناران ديناران عن كلّ نفس ، شريفهم ووضيعهم ، ممّن بلغ منهم الحلم ، ليس على الشّيخ الفاني ، ولا على الصّغير الذي لم يبلغ الحلم ، ولا على النّساء شيء « 1 » . وعلى أنّ للمسلمين عليهم النّزل بجماعتهم حيث نزلوا ، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين أو أكثر من ذلك ، كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام مفترضة عليهم ، وأنّ لهم أرضهم وأموالهم ، لا يعرض لهم في شيء منها ؛ فشرط ذلك كلّه على القبط خاصّة . وأحصوا عدد القبط يومئذ ، خاصّة من بلغ منهم الجزية وفرض / عليهم الديناران - رفع ذلك عرفاؤهم بالأيمان المؤكّدة - فكان جميع من أحصي يومئذ بمصر - أعلاها وأسفلها - من جميع القبط ، فيما أحصوا وكتبوا ورفعوا ، أكثر من ستة آلاف ألف نفس ، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف ألف دينار في كلّ سنة « 2 » . وقال ابن لهيعة ، عن يحيى بن ميمون الحضرمي : لمّا فتح عمرو مصر ، صالح عن جميع من فيها من الرّجال من القبط ، ممّن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ، ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي ، فأحصوا بذلك على دينارين دينارين ، فبلغت عدّتهم ثمانية آلاف ألف . قال : وشرط المقوقس للرّوم أن يخيّروا : فمن أحبّ منهم أن يقيم على مثل هذا ، أقام على ذلك لازما له مفترضا عليه ، ممّن أقام بالإسكندرية وما حولها من أرض مصر كلّها ، ومن أراد الخروج منها إلى أرض الرّوم ، خرج ؛ وعلى أنّ للمقوقس الخيار في الرّوم خاصّة ، حتى يكتب إلى ملك الرّوم ويعلمه ما فعل ، فإن قبل ذلك ورضيه ، جاز عليهم ، وإلّا كانوا جميعا على ما كانوا عليه « 3 » .
--> ( 1 ) انظر عن الجزية ( الجالية ج . الجوالي ) فيما تقدم 1 : 207 . ( 2 ) ابن عبد الحكم : فتوح مصر 64 - 70 ؛ ابن سعيد : المغرب 24 - 29 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 1 : 10 - 19 . ( 3 ) نفسه 70 - 71 .