المقريزي

20

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وندخل في دين غيره لا نعرفه ؛ وأمّا ما أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا ، فالموت أيسر من ذلك ، لو رضوا منّا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا كان أهون علينا . فقال المقوقس لعبادة : قد أبى القوم فما ترى ، فراجع صاحبك على أن نعطيكم في مرّتكم هذه ما تمنّيتم وتنصرفون ؛ فقال عبادة وأصحابه : لا . فقال المقوقس عند ذلك : أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثّلاث ، فواللّه ما لكم بهم طاقة ، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم كارهين ؛ فقالوا : وأيّ خصلة نجيبهم إليها ؟ قال : إذن أخبركم ، أمّا دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به ، وأمّا قتالهم فأنا أعلم أنّكم لن تقووا عليهم ولن تصبروا صبرهم ، ولا بدّ من الثالثة ؛ قالوا : فنكون لهم عبيدا أبدا . قال : نعم تكونون عبيدا مسلّطين في بلادكم ، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم ، خير لكم من أن تمونوا من آخركم ، وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزّقوا في البلاد ، مستعبدين أبدا أنتم وأهليكم وذراريكم ؛ قالوا : فالموت أهون علينا . وأمروا بقطع الجسر من الفسطاط وبالجزيرة وبالقصر من جمع القبط والرّوم كثير . فألحّ المسلمون عند ذلك بالقتال على من بالقصر حتى ظفروا بهم ، وأمكن اللّه منهم ، فقتل منهم خلق كثير ، وأسر من أسر ، وانجرّت السّفن كلّها إلى الجزيرة ، وصار المسلمون يراقبونهم ، وقد أحدق بهم الماء من كلّ وجه ، لا يقدرون على أن ينفذوا نحو الصّعيد ، ولا إلى غير ذلك من المدن والقرى . والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم هذا « a » وأخافه عليكم ، ما تنتظرون ؟ فو اللّه لتجيبنّهم إلى ما أرادوا طوعا ، أو لتجيبنّهم إلى ما هو أعظم منه كرها ، فأطيعوني من قبل أن تندموا . فلمّا رأوا منهم ما رأوا ، وقال لهم المقوقس ما قال ، أذعنوا بالجزية ، ورضوا بذلك على صلح يكون بينهم يعرفونه . وأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص : إنّي لم أزل حريصا على إجابتكم إلى خصلة من تلك الخصال التي أرسلت إليّ بها ، فأبى عليّ من حضرني من الرّوم والقبط ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم ، وقد عرفوا نصحي لهم وحبّي صلاحهم ، ورجعوا إلى قولي ، فأعطني أمانا أجتمع أنا وأنت : أنا في نفر من أصحابي ، وأنت في نفر من أصحابك ، فإن استقام الأمر بيننا تمّ ذلك جميعا ، وإن لم يتمّ رجعنا إلى ما كنّا عليه .

--> ( a ) ساقطة من بولاق .