المقريزي

19

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الحسنيين : إمّا أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدّنيا إن ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ، وإنّها « a » لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا ؛ وإن اللّه - عزّ وجلّ - قال لنا في كتابه : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ الآية 149 سورة البقرة ] ؛ وما منّا رجل إلّا وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشّهادة ، وألّا يردّ إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده ، وليس لأحد منّا همّ فيما خلّفه ، وقد استودع كلّ واحد منّا ربّه أهله وولده ، وإنّما همّنا ما أمامنا . وأمّا قولك إنّا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا ، فنحن في أوسع السّعة ، لو كانت الدّنيا كلّها لنا ، ما أردنا منها لأنفسنا أكثر ممّا نحن عليه . فانظر الذي تريد فبيّنه لنا ، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها ، إلّا خصلة من ثلاث ، فاختر أيّتها شئت ، ولا تطمع نفسك في الباطل ، بذلك أمرني / الأمير ، وبها أمره أمير المؤمنين ، وهو عهد رسول اللّه للّه من قبل إلينا . إمّا أجبتم « b » إلى الإسلام الذي هو الدين القيّم الذي لا يقبل اللّه غيره ، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته ، أمرنا اللّه تعالى أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه ، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا ، وكان أخانا في دين اللّه ؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك ، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولم نستحلّ أذاكم ولا التّعرّض لكم ؛ وإن أبيتم إلّا الجزية ، فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، وأن نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كلّ عام أبدا ما بقينا وبقيتم ، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ، ونقوم بذلك عنكم إذ كنتم في ذمّتنا ، وكان لكم به عهد علينا ؛ وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلّا المحاكمة بالسّيف حتى نموت من آخرنا ، أو نصيب ما نريد منكم . هذا ديننا الذي ندين اللّه تعالى به ، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره ، فانظروا لأنفسكم . فقال المقوقس : هذا ما لا يكون أبدا ، ما تريدون إلّا أن تتّخذونا عبيدا ما كانت الدنيا ؛ فقال له عبادة : هو ذاك ، فاختر لنفسك ما شئت ؛ فقال المقوقس : أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال ؟ فرفع عبادة يديه إلى السّماء فقال : لا وربّ هذه السّماء وربّ هذه الأرض وربّ كلّ شيء ، ما لكم عندنا خصلة غيرها ، فاختاروا لأنفسكم . فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال : قد فرغ القوم فما ترون ؟ فقالوا : أو يرضى أحد بهذا الذّلّ ! أمّا ما أرادوا من دخولنا في دينهم ، فهذا لا يكون أبدا أن نترك دين المسيح بن مريم

--> ( a ) بولاق : ولأنها . ( b ) بولاق : إما إن أجبتم .