المقريزي

50

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

مذموما ومن العامّة والخاصة ملوما . وقال له : رسول اللّه يأمرك أن تتقدّم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم الصلاة والسلام عليك يا رسول اللّه ، كما يفعل في ليالي الجمع ، فأعجب الجاهل هذا القول ، وجهل أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يأمر بعد وفاته إلّا بما يوافق ما شرّعه اللّه على لسانه في حياته ، وقد نهى اللّه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن الزيادة فيما شرعه حيث يقول : أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [ الشورى / 21 ] وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إياكم ومحدثات الأمور » فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة ، وتمت هذه البدعة واستمرّت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام ، وصارت العامّة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحلّ تركه ، وأدّى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا ، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله ، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون . وأما التسبيح في الليل على المآذن ، فإنه لم يكن من فعل سلف الأمّة ، وأوّل ما عرف من ذلك أن موسى بن عمران صلوات اللّه عليه ، لما كان ببني إسرائيل في التيه بعد غرق فرعون وقومه ، اتخذ بوقين من فضة مع رجلين من بني إسرائيل ، ينفخان فيهما وقت الرحيل ووقت النزول ، وفي أيام الأعياد ، وعند ثلث الليل الأخير من كلّ ليلة ، فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي سبط موسى عليه السّلام ويقولون نشيدا منزلا بالوحي ، فيه تخويف وتحذير وتعظيم للّه تعالى ، وتنزيله له تعالى ، إلى وقت طلوع الفجر ، واستمر الحال على هذا كلّ ليلة مدّة حياة موسى عليه السّلام ، وبعده أيام يوشع بن نون ، ومن قام في بني إسرائيل من القضاة إلى أن قام بأمرهم داود عليه السّلام وشرع في عمارة بيت المقدس ، فرتّب في كلّ ليلة عدّة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر ، فمنهم من يضرب بالآلات كالعود والسطير والبربط والدف والمزمار . ونحو ذلك ، ومنهم من يرفع عقيرته بالنشائد المنزلة بالوحي على نبيّ اللّه موسى عليه السّلام ، والنشائد المنزلة بالوحي على داود عليه السّلام . ويقال أنّ عدد بني لاوي هذا كان ثمانين وثلاثين ألف رجل ، قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزبور ، فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس ، قام في كلّ محلة من محال بيت المقدس رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه سبحانه من غير آلات ، فإنّ الآلات كانت مما يختص ببيت المقدس فقط ، وقد نهوا عن ضربها في غير البيت ، فيتسامع من قرية بيت المقدس ، فيقوم في كلّ قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه تعالى حتى يهمّ الصوت بالذكر جميع قرى بني إسرائيل ومدنهم ، وما زال الأمر على ذلك في كلّ ليلة إلى أن خرّب بخت نصر بيت المقدس وجلا بني إسرائيل إلى بابل ، فبطل هذا العمل وغيره من بلاد بني إسرائيل مدّة جلائهم في بابل سبعين سنة ، فلما أعاد بنو إسرائيل من بابل وعمروا البيت العمارة