المقريزي

51

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الثانية ، أقاموا شرائعهم وعاد قيام بني لاوي بالبيت في الليل ، وقيام أهل محال القدس وأهل القرى والمدن على ما كان العمل عليه أيام عمارة البيت الأولى ، واستمرّ ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبيّ اللّه يحيى بن زكريا ، وقيام اليهود على روح اللّه ورسوله عيسى ابن مريم صلوات اللّه عليهم على يد طيطش ، فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ وبطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل . وأما في الملة الإسلامية فكان ابتداء هذا العمل بمصر ، وسببه أن مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى منارا لجامع عمرو بن العاص ، واعتكف فيه فسمع أصوات النواقيس عالية ، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين فقال : إني أمدّد الأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر ، فإنههم أيها الأمير أن ينقسوا إذا أذنت . فنهاهم مسلمة عن ضرب النواقيس وقت الأذان ، ومدّد شرحبيل ومطط أكثر الليل ، ثم إن الأمير أبا العباس أحمد بن طولون كان قد جعل في حجرة تقرب منه رجالا تعرف بالمكبرين ، عدّتهم اثنا عشر رجلا ، يبيت في هذه الحجرة كلّ ليلة أربعة يجعلون الليل بينهم عقبا ، فكانوا يكبرون ويسبحون ويحمدون اللّه سبحانه في كلّ وقت ويقرءون القرآن بألحان ، ويتوسلون ويقولون قصائد زهية ، ويؤذنون في أوقات الأذان ، وجعل لهم أرزاقا واسعة تجري عليهم . فلما مات أحمد بن طولون وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه ، أقرّهم بحالهم وأجراهم على رسمهم مع أبيه ، ومن حينئذ اتخذ الناس قيام المؤذنين في الليل على المآذن ، وصار يعرف ذلك بالتسبيح . فلما ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب سلطنة مصر وولى القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الهدبانيّ المارانيّ الشافعيّ ، كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ في الأصول ، فحمل الناس إلى اليوم على اعتقاده ، حتى يكفّر من خالفه ، وتقدّم الأمر إلى المؤذنين أن يعلنوا في وقت التسبيح على المآذن بالليل بذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة ، فواظب المؤذنون على ذكرها في كلّ ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا . ومما أحدث أيضا ، التذكير في يوم الجمعة من أثناء النهار بأنواع من الذكر على المآذن ، ليتهيأ الناس لصلاة الجمعة ، وكان ذلك بعد السبعمائة من سني الهجرة . قال ابن كثير رحمه اللّه في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبعمائة ، رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن دمشق كما يذكر في مآذن الجامع الأمويّ ، ففعل ذلك . الجامع الأزهر هذا الجامع أوّل مسجد أسس بالقاهرة ، والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقليّ ، مولى الإمام أبي تميم معدّ الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين اللّه لما اختط القاهرة ، وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين