المقريزي

44

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

سوء عمله ، عزل الأمير قراسنقر من نيابة السلطنة ، فعزله وولى مملوكه منكوتمر ، وكان عسوفا عجولا حادّا ، ولاجين مع ذلك يركن إليه ويعوّل في جميع أموره عليه ولا يخالف قوله ولا ينقض فعله ، فشرع منكوتمر في تأخير أمراء الدولة من الصالحية والمنصورية ، وأعجل في إظهار التهجم لهم والإعلان بما يريده من القبض عليهم وإقامة أمراء غيرهم ، فتوحشت القلوب منه وتمالأت على بغضه ، ومشى القوم بعضهم إلى بعض وكاتبوا إخوانهم من أهل البلاد الشامية ، حتى تمّ لهم ما يريدون ، فواعد جماعة منهم إخوانهم على قتل السلطان لاجين ونائبه منكوتمر ، فما هو إلّا أن صلّى السلطان العشاء الآخرة من ليلة الجمعة العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وستمائة ، وإذا بالأمير كرجي وكان ممن هو قائم بين يديه ، تقدّم ليصلح الشمعة ، فضربه بسيف قد أخفاه معه أطار به زنده ، وانقض عليه البقية ممن واعدوهم بالسيوف والخناجر ، فقطعوه قطعا ، وهو يقول اللّه اللّه ، وخرجوا من فورهم إلى باب القلة من قلعة الجبل ، فإذا بالأمير طفج قد جلس في انتظارهم ومعه عدّة من الأمراء ، وكانوا إذ ذاك يبيتون بالقلعة دائما ، فأمروا بإحضار منكوتمر من دار النيابة بالقلعة وقتلوه بعد مضيّ نصف ساعة من قتل أستاذه الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوريّ رحمه اللّه . فلقد كان مشكور السيرة . وفي سنة سبعة وستين وسبعمائة جدّد الأمير يلبغا العمريّ الخاصكيّ درسا بجامع ابن طولون ، فيه سبعا مدرّسين للحنفية ، وقرّر لكلّ فقيه من الطلبة في الشهر أربعين درهما وأردب قمح ، فانتقل جماعة من الشافعية إلى مذهب الحنفية . وأوّل من ولّي نظره بعد تجديده الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ وهو إذ ذاك دوادار السلطان الملك المنصور لاجين ، ثم ولّي نظره قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة ، ثم من بعده الأمير مكين في أيام الناصر محمد بن قلاون ، فجدّد في أوقافه طاحونا وفرنا وحوانيت . فلما مات وليه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة ، ثم ولّاه الناصر للقاضي كريم الدين الكبير ، فحدّد فيه مئذنتين ، فلما نكبه السلطان عاد نظره إلى قاضي القضاة الشافعيّ ، وما برح إلى أيام الناصر حسن بن محمد بن قلاون ، فولّاه للأمير صرغتمش ، وتوفر في مدّة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضة ، وقبض عليه وهي حاصلة ، فباشره قاضي القضاة إلى أيام الأشرف شعبان بن حسين ، ففوّض نظره إلى الأمير الجاي اليوسفيّ إلى أن غرق ، فتحدّث فيه قاضي القضاة الشافعيّ إلى أن فوّض السلطان الملك الظاهر برقوق نظره إلى الأمير قطلو بغا الصفويّ ، في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة ، وكان الأمير منطاش مدّة تحكمه في الدولة فوّضه إلى المذكور في أواخر شوّال سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ، ثم عاد نظره إلى القضاة بعد الصفويّ وهو بأيديهم إلى اليوم . وفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة جدّد الرواق البحريّ الملاصق للمئذنة ، الحاج عبيد اللّه محمد بن عبد الهادي الهويديّ البازدار مقدّم الدولة . وجدّد ميضأة بجانب الميضأة القديمة ، وكان عبيد