المقريزي
379
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
رتّب عليه السلام بني إسرائيل الاثني عشر سبطا أربع فرق ، وقدّم على جميعهم سبط يهوذا ، فلم يزل سبط يهوذا مقدّما على سائر الأسباط أيام حياة موسى عليه السلام ، وأيام حياة يوشع بن نون . فلما مات يوشع ، سأل بنو إسرائيل اللّه تعالى وابتهلوا إليه في قبة الشمشار أن يقدّم عليهم واحدا منهم ، فجاء الوحي من اللّه بتقديم عثنيئال بن قناز من سبط يهوذا ، فتقدّم على سائر الأسباط ، وصار بنو يهوذا مقدّمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملّك اللّه على بني إسرائيل نبيه داود ، وهو من سبط يهوذا ، فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سلمان بن داود عليهما السلام . فلما مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده ، وصار لمدينة شمرون التي يقال لها اليوم نابلس عشرة أسباط ، وبقي بمدينة القدس سبطان . هما سبط يهوذا وسبط بنيامين ، وكان يقال لسكان شمرون بنو إسرائيل ويقال لسكان القدس بنو يهوذا ، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين وإحدى وخمسين سنة ، فصاروا كلهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهودا ، إلى أن قدم بخت نصر وخرّب القدس وجلا جميع بني إسرائيل إلى بابل ، فعرفوا هناك بين الأمم ببني يهوذا ، واستمرّ هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك إلى أن جاء اللّه بالإسلام ، فكان يقال للواحد منهم يهوذي بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا ، وتلاعب العرب بذلك على عادتهم في التلاعب بالأسماء المعجمة ، وقالوها بدال مهملة ، وسموا طائفة بني إسرائيل اليهود ، وبهذه اللغة نزل القرآن ، ويقال أنّ أوّل من سمّى بني إسرائيل اليهود بخت نصر ، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون . ذكر معتقد اليهود وكيف وقع عندهم التبديل اعلم أن اللّه سبحانه لما أنزل التوراة على نبيه موسى عليه السلام ، ضمنها شرائع الملة الموسوية ، وأمر فيها أن يكتب لكلّ من يلي أمر بني إسرائيل كتاب يتضمن أحكام الشريعة لينظر فيه . ويعمل به ، وسمي هذا الكتاب بالعبرانية مشنا ، ومعناه استخراج الأحكام من النص الإلهيّ ، وكتب موسى عليه السلام ، بخط يده مشنا كأنه تفسير لما في التوراة من الكلام الإلهيّ ، فلما مات موسى عليه السلام ، وقام من بعده بأمر بني إسرائيل يوشع بن نون ، ومن بعده إلى أن كانت أيام يهوياقيم ملك القدس ، غزاهم بخت نصر الغزوة الأولى ، وهم يكتبون لكل من ملكهم مشنا ، ينقلونها من المشنا التي بخط موسى ويجعلونها باسمه ، فلما جلا بخت نصر يهوياقيم الملك ومعه أعيان بني إسرائيل وكبراء بيت المقدس ، وهم في زيادة على عشرة آلاف نفس ، ساروا ومعهم نسخ المشنا التي كتبت لسائر ملوك بني إسرائيل بأجمعها إلى بلاد المشرق ، فلما سار بخت نصر من باب الكرّة الثانية لغزو القدس ، وخرّبه ، وجلا جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل من الأسباط الاثني عشر إلى باب أقاموا بها ، وبقي القدس خرابا لا ساكن فيه مدّة سبعين سنة ، ثم عادوا من بابل بعد سبعين سنة وعمروا القدس ، وجدّدوا بناء البيت ثانيا ومعهم جميع نسخ المشنا التي خرجوا بها أوّلا .