المقريزي

380

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

فلما مضت من عمارة البيت الثاني بعد الجلاية ثلاثمائة ونيف من السنين ، اختلف بنو إسرائيل في دينهم اختلافا كثيرا ، فخرج طائفة من آل داود عليه السلام من بيت المقدس وساروا إلى الشرق ، كما فعل آباؤهم أوّلا ، وأخذوا معهم نسخا من المشنا التي كتبت للملوك من مشنا موسى التي بخطه ، وعملوا بما فيها ببلاد الشرق ، من حين خرجوا من القدس إلى أن جاء اللّه بدين الإسلام ، وقدم عانان رأس الجالوت من المشرق إلى العراق في خلافة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ، سنة ست وثلاثين ومائة من سني الهجرة المحمدية . وأما الذين أقاموا بالقدس من بني إسرائيل بعد خروج من ذكرنا إلى الشرق من آل داود ، فإنهم لم يزالوا في افتراق واختلاف في دينهم إلى أن غزاهم طيطش ، وخرّب القدس الخراب الثاني بعد قتل يحيى بن زكريا ورفع المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام ، وسبى جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل بأسرهم ، وغيب نسخ المشنا التي كانت عندهم ، بحيث لم يبق معهم من كتب الشريعة سوى التوراة ، وكتب الأنبياء ، وتفرّق بنو إسرائيل من وقت تخريب طيطش بيت المقدس في أقطار الأرض ، وصاروا ذمّة إلى يومنا هذا ، ثم إن رجلين ممن تأخروا إلى قبيل تخريب القدس يقال لهما شماي وهلال ، نزلا مدينة طبرية وكتبا كتابا سمياه مشنا ، باسم مشنا موسى عليه السلام ، وضمنا هذا المشنا الذي وضعاه أحكام الشريعة ، ووافقهما على وضع ذلك عدّة من اليهود ، وكان شماي وهلال في زمن واحد ، وكانا في أواخر مدّة تخريب البيت الثاني ، وكان لهلال ثمانون تلميذا ، أصغرهم يوحانان بن زكاي ، وأدرك يوحانان بن زكاي خراب البيت الثاني على يد طيطش ، وهلال وشماي أقوالهما مذكورة في المشنا ، وهي في ستة أسفار تشتمل على فقه التوراة ، وإنما رتبها النوسيّ من ولد داود النبيّ بعد تخريب طيطش للقدس بمائة وخمسين سنة ، ومات شماي وهلال ولم يكملا المشنا فأكمله رجل منهم يعرف بيهودا من ذرية هلال وحمل اليهود على العمل بما في هذا المشنا ، وحقيقته أنه يتضمن كثيرا مما كان في مشنا النبيّ موسى عليه السلام ، وكثيرا من آراء أكابرهم . فلما كان بعد وضع هذا المشنا بنحو خمسين سنة ، قام طائفة من اليهود يقال لهم السنهدوين ، ومعنى ذلك الأكابر ، وتصرّفوا في تفسير هذا المشنا برأيهم ، وعملوا عليه كتابا اسمه التلمود ، أخفوا فيه كثيرا مما كان في ذلك المشنا ، وزادوا فيه أحكاما من رأيهم ، وصاروا منذ وضع هذا التلمود الذي كتبوه بأيديهم وضمنوه ما هو من رأيهم ينسبون ما فيه إلى اللّه تعالى ، ولذلك ذمّهم اللّه في القرآن الكريم بقوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ البقرة / 79 ] وهذا التلمود نسختان مختلفتان في الأحكام ، والعمل إلى اليوم على هذا التلمود عند فرقة الربانيين بخلاف القرّائين ، فإنهم لا