المقريزي
328
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
القاهرة وسكنها الخلفاء ، اتخذوا بها تربة عرفت بتربة الزعفران ، قبروا فيها أمواتهم ، ودفن رعيتهم من مات منهم في القرافة إلى أن اختطت الحارات خارج باب زويلة ، فقبر سكانها موتاهم خارج باب زويلة مما يلي الجامع ، فيما بين جامع الصالح وقلعة الجبل ، وكثرت المقابر بها عند حدوث الشدّة العظمى أيام الخليفة المستنصر ، ثم لما مات أمير الجيوش بدر الجماليّ دفن خارج باب النصر ، فاتخذ الناس هنالك مقابر موتاهم ، وكثرت مقابر أهل الحسينية في هذه الجهة ، ثم دفن الناس الأموات خارج القاهرة في الموضع الذي عرف بميدان القبق ، فيما بين قلعة الجبل وقبة النصر ، وبنوا هناك الترب الجليلة ، ودفن الناس أيضا خارج القاهرة فيما بين باب الفتوح والخندق ، ولكل مقبرة من هذه المقابر أخبار سوف أقص عليك من أنبائها ما انتهت إلى معرفته قدرتي إن شاء اللّه تعالى . ويذكر أهل العناية بالأمور المتقادمة أن الناس في الدهر الأوّل لم يكونوا يدفنون موتاهم إلى أن كان زمن دوناي الذي يدعى سيد البشر لكثرة ما علّم الناس من المنافع ، فشكا إليه أهل زمانه ما يأتذون به من خبث موتاهم ، فأمرهم أن يدفنوهم في خوابي ويسدّوا رؤسها ، ففعلوا ذلك ، فكان دوناي أوّل من دفن الموتى ، وذكر أن دوناي هذا كان قبل آدم بدهر طويل مبلغه عشرون ألف سنة ، وهي دعوى لا تصح ، وفي القرآن الكريم ما يقتضي أن قابيل ابن آدم أوّل من دفن الموتى ، واللّه أصدق القائلين . وقد قال الشافعيّ رحمه اللّه : وأكره أن يعظّم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده . ذكر القرافة روى الترمذيّ من حديث أبي طيبة عبد اللّه بن مسلم ، عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه رفعه : من مات من أصحابي بأرض بعث قائدا ونورا لهم يوم القيامة . قال : وهذا حديث غريب . وقد روي عن أبي طيبة ، عن ابن بريدة مرسلا ، وهذا أصح ، قال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب فتوح مصر : حدّثنا عبد اللّه بن صالح ، حدّثنا الليث ابن سعد قال : سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار ، فعجب عمرو من ذلك وقال : أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين ، فكتب بذلك إلى عمر رضي اللّه عنه ، فكتب إليه عمر سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزدرع ولا يستنبط بها ماء . ولا ينتفع بها . فسأله فقال : إنا لنجد صفتها في الكتب أنّ فيها غراس الجنة ، فكتب بذلك إلى عمر رضي اللّه عنه ، فكتب إليه عمر إنّا لا نعلم غراس الجنة إلّا المؤمنين ، فأقبر فيها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعه بشيء . فكان أوّل من دفن فيها رجل من المغافر يقال له عامر ، فقيل عمرت . فقال المقوقس لعمرو : وما ذلك ، ولا على هذا عاهدتنا ، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم . وعن ابن لهيعة أن المقوقس قال لعمرو : إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل