المقريزي
326
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
المعروفة بإجابة الدعاء بمصر ، وهي أربعة مواضع : سجن نبيّ اللّه يوسف الصدّيق عليه السلام ، ومسجد موسى صلوات اللّه عليه ، وهو الذي بطرا ، ومشهد السيدة نفيسة رضي اللّه عنها ، والمخدع الذي على يسار المصلّى في قبلة مسجد الإقدام بالقرافة . فهذه المواضع لم يزل المصريون ممن أصابته مصيبة أو لحقته فاقة أو جائحة يمضون إلى أحدها ، فيدعون اللّه تعالى فيستجيب لهم ، مجرّب ذلك . انتهى . ويقال أنها حفرت قبرها هذا وقرأت فيه تسعين ومائة ختمة ، وأنها لما احتضرت خرجت من الدنيا وقد انتهت في حزبها إلى قوله تعالى : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام / 12 ] ففاضت نفسها رحمها اللّه تعالى مع قوله الرحمة ، ويقال أن الحسن بن زيد والد السيدة نفيسة كان مجاب الدعوة ممدوحا ، وأن شخصا وشى به إلى أبي جعفر المنصور أنه يريد الخلافة لنفسه ، فإنه كان قد انتهت إليه رياسة بني حسن ، فأحضره من المدينة وسلبه ماله ، ثم إنه ظهر له كذب الناقل عنه ، فمنّ عليه وردّه إلى المدينة مكرّما ، فلما قدمها بعث إلى الذي وشى به بهدية ولم يعتبه على ما كان منه . ويقال أنه كان مجاب الدعوة ، فمرّت به امرأة وهو في الأبطح ، ومعها ابن لها على يدها فاختطفه عقاب ، فسألت الحسن بن زيد أن يدعو اللّه لها بردّه ، فرفع يديه إلى السماء ودعا ربه ، فإذا بالعقاب قد ألقى الصغير من غير أن يضرّه بشيء ، فأخذته أمّه . وكان يعدّ بألف من الكرام . ولما قدمت السيدة نفيسة إلى مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر نزلت بالمنصوصة ، وكان بجوارها دار فيها قوم من أهل الذمّة ، ولهم ابنة مقعدة لم تمش قط ، فلما كان في يوم من الأيام ذهب أهلها في حاجة من حوائجهم وتركوا المقعدة عند السيدة نفيسة ، فتوضأت وصبت من فضل وضوئها على الصبية المقعدة وسمت اللّه تعالى ، فقامت تسعى على قدميها ليس بها بأس البتة ، فلما قدم أهلها وعاينوها تمشى أتوا إلى السيدة نفيسة وقد تيقنوا أنّ مشي ابنتهم كان ببركة دعائها ، وأسلموا بأجمعهم على يديها ، فاشتهر ذلك بمصر وعرف أنه من بركاتها . وتوقف النيل عن الزيادة في زمنها فحضر الناس إليها وشكوا إليها ما حصل من توقف النيل ، فدفعت قناعها إليهم وقالت لهم : ألقوه في النيل ، فألقوه فيه ، فزاد حتى بلغ اللّه به المنافع . وأسر ابن لامرأة ذمّية في بلاد الروم ، فأتت إلى السيدة نفيسة وسألتها الدعاء أن يردّ اللّه ابنها عليها ، فلما كان الليل لم تشعر الذمّية إلّا بابنها وقد هجم عليها دارها ، فسألته عن خبره فقال : يا أمّاه لم أشعر إلّا ويد قد وقعت على القيد الذي كان في رجليّ وقائل يقول : أطلقوه قد شفعت فيه نفيسة بنت الحسن . فوالذي يحلف به يا أمّاه لقد كسر قيدي وما شعرت بنفسي إلّا وأنا واقف بباب هذه الدار . فلما أصبحت الذمّية أتت إلى السيدة