المقريزي
325
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الوليد بن عبد الملك ، وكان يأتي الجمعة من ثمانية أميال ، وكان إذا ركب نظر الناس إليه وعجبوا من عظم خلقه وقالوا : جدّه رسول اللّه . وكتب إليه الوليد بن عبد الملك يسأله أن يبايع لابنه عبد العزيز ويخلع سليمان بن عبد الملك ، ففرق « 1 » منه وأجابه ، فلما استخلف سليمان وجد كتاب زيد بذلك إلى الوليد ، فكتب إلى أبي بكر بن حزم أمير المدينة : ادع زيد بن الحسن فأقره الكتاب ، فإن عرفه فاكتب إليّ ، وإن هو نكل فقدّمه فأصب يمينه عند منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنه ما كتبه ولا أمر به ، فخاف زيدا للّه واعترف . فكتب بذلك أبو بكر ، فكتب سليمان أن يضربه مائة سوط وأن يدرعه عباءة ويمشيه حافيا ، فحبس عمر بن عبد العزيز الرسول وقال : حتى أكلم أمير المؤمنين فيما كتب به في حق زيد . فقال للرسول : لا تخرج فإن أمير المؤمنين مريض . فمات سليمان وأحرق عمر الكتاب . وأما والد نفيسة وهو الحسن بن زيد ، فهو الذي كان والي المدينة النبوية من قبل أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور ، وكان فاضلا أديبا عالما ، وأمّه أمّ ولد . توفي أبوه وهو غلام ، وترك عليه دينا أربعة آلاف دينار ، فحلّف الحسن ولده أن لا يظل رأسه سقف إلّا سقف مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو بيت رجل يكلمه في حاجة حتى يقضي دين أبيه ، فوفاه وقضاه بعد ذلك . ومن كرمه أنه أتى بشاب شارب متأدّب ، وهو عامل على المدينة فقال : يا ابن رسول اللّه لا أعود وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » وأنا ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، وقد كان أبي مع أبيك ، كما قد علمت . قال : صدقت ، فهل أنت عائد ؟ قال : لا واللّه . فأقاله وأمر له بخمسين دينارا وقال له : تزوّج بها وعد إليّ . فتاب الشاب وكان الحسن بن زيد يجري عليه النفقة . وكانت نفيسة من الصلاح والزهد على الحدّ الذي لا مزيد عليه ، فيقال أنها حجت ثلاثين حجة ، وكانت كثيرة البكاء ، تديم قيام الليل وصيام النهار ، فقيل لها : ألا ترفقين بنفسك ؟ فقالت : كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلّا الفائزون . وكانت تحفظ القرآن وتفسيره ، وكانت لا تأكل إلا في كلّ ثلاث ليال أكلة واحدة ، ولا تأكل من غير زوجها شيئا ، وقد ذكر أنّ الإمام الشافعيّ محمد بن إدريس كان زارها وهي من وراء الحجاب وقال لها : ادعي لي ، وكان صحبته عبد اللّه بن عبد الحكم . وماتت رضي اللّه عنها بعد موت الإمام الشافعيّ رحمة اللّه عليه بأربع سنين ، لأنّ الشافعيّ توفي سلخ شهر رجب سنة أربع ومائتين . وقيل أنها كانت فيمن صلّى على الإمام الشافعيّ . وتوفيت السيدة نفيسة في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين ، ودفنت في منزلها ، وهو الموضع الذي به قبرها الآن ، ويعرف بخط درب السباع ، ودرب بزرب . وأراد إسحاق بن الصادق وهو زوجها أن يحملها ليدفنها بالمدينة ، فسأله أهل مصر أن يتركها ويدفنها عندهم لأجل البركة ، وقبر السيدة نفيسة أحد المواضع
--> ( 1 ) فرق : خاف .