المقريزي

40

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

قريب من حارة بهاء الدين ، واختطت هذه الحارة في الأيام الآمرية ، وذلك أن زمام « 1 » البيازرة شكا ضيق دار الطيور بمصر ، وسأل أن يفسح للبيازرة في عمارة حارة على شاطىء الخليج بظاهر القاهرة لحاجة الطيور والوحوش إلى الماء ، فأذن له في ذلك ، فاختطّوا هذه الحارة وجعلوا منازلهم مناظر على الخليج ، وفي كلّ دار باب سرّ ينزل منه إلى الخليج واتّصل بنا هذه الحارة بزقاق الكحل ، فعرفت بهم وسميت بحارة البيازرة ، واحدهم بازيار « 2 » ، ثم إنّ المختار الصقلبي زمام القصر أنشأ بجوارها بستانا وبنى فيه منظرة عظيمة ، وهذا البستان يعرف اليوم موضعه ببستان ابن صيرم خارج باب الفتوح ، فلما كثرت العمائر في حارة البيازرة أمر الوزير المأمون بعمل الأقنة « 3 » لشيّ الطوب على شاطىء الخليج الكبير إلى حيث كان البستان الكبير الجيوشيّ الذي تقدّم ذكره في ذكر مناظر الخلفاء ومنتزهاتهم . حارة الحسينية : عرفت بطائفة من عبيد الشراء يقال لهم الحسينية . قال المسبّحي في حوادث سنة خمس وتسعين وثلاثمائة : وأمر بعمل شونة « 4 » ممّا يلي الجبل ملئت بالسنط والبوص والحلفاء فابتدىء بعملها في ذي الحجة سنة أربع وتسعين وثلاثمائة إلى شهر ربيع الأول سنة خمس وتسعين ، فخامر قلوب الناس من ذلك جزع شديد ، وظنّ كلّ من يتعلّق بخدمة أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أنّ هذه الشونة عملت لهم . ثمّ قويت الإشاعات وتحدّث العوام في الطرقات أنها للكتّاب وأصحاب الدواوين وأسبابهم ، فاجتمع سائر الكتّاب وخرجوا بأجمعهم في خامس ربيع الأوّل ومعهم سائر المتصرّفين في الدواوين من المسلمين والنصارى إلى الرماحين بالقاهرة ، ولم يزالوا يقبّلون الأرض حتّى وصلوا إلى القصر ، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرّعون ويضجّون ويسألون العفو عنهم ، ومعهم رقعة قد كتبت عن جميعهم إلى أن دخلوا باب القصر الكبير وسألوا أن يعفى عنهم ولا يسمع فيهم قول ساع يسعى بهم ، وسلّموا رقعتهم إلى قائد القوّاد الحسين بن جوهر ، فأوصلها إلى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه ، فأجيبوا إلى ما سألوا ، وخرج إليهم قائد القوّاد ، فأمرهم بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم ، فانصرفوا بعد العصر ، وقرىء من الغد سجل كتب منه نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بأمان لهم والعفو عنهم . وقال : في ربيع الآخر ، واشتدّ خوف الناس من أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه ، فكتب ما شاء اللّه من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصّة وزمامهم وأمرائهم من الحمدانية والكجورية والغلمان العرفان والمماليك وصبيان الدار وأصحاب الإقطاعات والمرتزقة والغلمان الحاكميّة القدم

--> ( 1 ) زمام البيازرة : كبيرهم . ( 2 ) في المنجد : البازيار : حامل البازي . ( 3 ) القمين : الأتون . ( 4 ) الشونة : هي المركب المعد للجهاد في البحر ، ويجهز في أيام الحرب بالسلاح والنفطية ويحشد بالمقاتلة أو الجنود البحرية . كتاب الجيش ص 168 لإحسان هندي .