المقريزي
363
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
قبالته قاضي القضاة ، وبجانبه شاهدان معتبران ، ويجلس بجانب الوزير الموقع بالقلم الدقيق ، ويليه صاحب ديوان المال ، ويقف بين يدي الوزير صاحب البلاد واسفهسلار العساكر ، وبين أيديهما الحجاب والنوّاب على طبقاتهم ، ويكون هذا الجلوس يومين في الأسبوع ، وآخر من تقلد المظالم في الدولة الفاطمية ، رزيك بن الوزير الأجلّ ، الملك الصالح طلائع بن رزيك ، في وزارة أبيه ، وكتب له سجل عن الخليفة منه ، وقد قلدك أمير المؤمنين النظر في المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم ، وكانت الدولة إذا خلت من وزير صاحب سيف ، جلس للنظر في المظالم صاحب الباب في باب الذهب من القصر ، وبين يديه الحجاب والنقباء ، وينادي مناد بحضرته يا أرباب الظلامات ، فيحضرون إليه ، فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة أو القضاة رسالة بكشفها ، ومن تظلم من أهل النواحي التي خارج القاهرة ومصر . فإنه يحضر قصة فيها شرح ظلامته ، فيتسلمها الحاجب منه حتى تجتمع القصص فيدفعها إلى الموقّع بالقلم الدقيق ، فيوقع عليها ، ثم تحمل بعد توقيعه عليها إلى الموقّع بالقلم الجليل ، فيبسط ما أشار إليه الموقع بالقلم الدقيق ، ثم تحمل التواقيع في خريطة إلى ما بين يدي الخليفة فيوقع عليها ، ثم تخرج في خريطتها إلى الحاجب فيقف على باب القصر ويسلم كلّ توقيع إلى صاحبه . وأوّل من بنى دار العدل من الملوك ، السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمة اللّه تعالى عليه بدمشق ، عندما بلغه تعدّي ظلم نوّاب أسد الدين شير كوه بن شادي إلى الرعية ، وظلمهم الناس ، وكثرة شكواهم إلى القاضي كمال الدين الشهرزوريّ ، وعجزه عن مقاومتهم ، فلما بنيت دار العدل أحضر شير كوه نوّابه وقال : إن نور الدين ما أمر ببناء هذه الدار إلّا بسببي ، واللّه لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحد منكم لأصلبنه ، فامضوا إلى كلّ من كان بينكم وبينه منازعة في ملك أو غيره فافصلوا الحال معه وأرضوه بكلّ طريق أمكن ولو أتى على جميع ما بيدي . فقالوا إن الناس إذا علموا بذلك اشتطوا في الطلب . فقال : لخروج أملاكي عن يدي أسهل عليّ من أن يراني نور الدين بعين أني ظالم ، أو يساوي بيني وبين أحد من العامّة في الحكومة . فخرج أصحابه وعملوا ما أمرهم به من إرضاء أخصامهم ، وأشهدوا عليهم . فلما جلس نور الدين بدار العدل في يومين من الأسبوع ، وحضر عنده القاضي والفقهاء ، أقام مدّة لم يحضر أحد يشكو شير كوه ، فسأل عن ذلك فعرّف بما جرى منه ومن نوّابه ، فقال الحمد للّه الذي جعل أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا . وجلس أيضا السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في يومي الاثنين والخميس لإظهار العدل ، ولما تسلطن الملك المعز أيبك التركمانيّ أقام الأمير علاء الدين أيدكين البندقداريّ في نيابة السلطنة بديار مصر ، فواظب الجلوس في المدارس الصالحية بين القصرين ومعه نوّاب دار العدل ليرتب الأمور وينظر في المظالم ، فنادى بإراقة الخمور وإبطال ما عليها من المقرّر ، وكان قد كثر الإرجاف بمسير الملك