المقريزي
364
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز محمد بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب الشام لأخذ مصر ، فلما انهزم الملك الناصر واستبدّ الملك المعز أيبك ، أحدث وزيره من المكوس شيئا كثيرا ، ثم إنّ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ بنى دار العدل وجلس بها للنظر في المظالم . كما تقدّم ، فلما بنى الإيوان الملك الناصر محمد بن قلاون واظب الجلوس يوم الاثنين والخميس فيه ، وصار يفصل فيه الحكومات في الأحايين إذا أعيي من دونه فصلها ، فلما استبدّ الملك الظاهر برقوق بالسلطنة عقد لنفسه مجلسا بالإصطبل السلطانيّ من قلعة الجبل ، وجلس فيه يوم الأحد ثامن عشري شهر رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة ، وواظب ذلك في يومي الأحد والأربعاء ، ونظر في الجليل والحقير ، ثم حوّل ذلك إلى يومي الثلاثاء والسبت ، وأضاف إليهما يوم الجمعة بعد العصر ، وما زال على ذلك حتى مات ، فلما ولى ابنه الملك الناصر فرج بعده واستبدّ بأمره ، جلس للنظر في المظالم بالإصطبل اقتداء بأبيه ، وصار كاتب السرّ فتح الدين فتح اللّه يقرأ القصص عليه ، كما كان يقرؤها على أبيه ، فانتفع أناس وتضرّر آخرون بذلك ، وكان الضرر أضعاف النفع ، ثم لما استبدّ الملك المؤيد شيخ بالمملكة جلس أيضا للنظر في المظالم كما جلسا ، والأمر على ذلك مستمرّ إلى وقتنا هذا ، وهو سنة تسع عشرة وثمانمائة . وقد عرف النظر في المظالم منذ عهد الدولة التركية بديار مصر والشام بحكم السياسة ، وهو يرجع إلى نائب السلطنة وحاجب الحجاب ، ووالي البلد ومتولى الحرب بالأعمال ، وسيرد إن شاء اللّه تعالى الكلام في حكم السياسة عن قريب . ذكر خدمة الإيوان المعروف بدار العدل كانت العادة أنّ السلطان يجلس بهذا الإيوان بكرة الاثنين والخميس طول السنة خلا شهر رمضان ، فإنه لا يجلس فيه هذا المجلس ، وجلوسه هذا إنما هو للمظالم ، وفيه تكون الخدمة العامّة واستحضار رسل الملوك غالبا ، فإذا جلس للمظالم كان جلوسه على كرسيّ إذا قعد عليه يكاد تلحق الأرض رجله ، وهو منصوب إلى جانب المنبر الذي هو تخت الملك وسرير السلطنة ، وكانت العادة أوّلا أن يجلس قضاة القضاة من المذاهب الأربعة عن يمينه ، وأكبرهم الشافعيّ ، وهو الذي يلي السلطان ، ثم إلى جانب الشافعيّ الحنفيّ ، ثم المالكيّ ، ثم الحنبليّ ، وإلى جانب الحنبليّ الوكيل عن بيت المال ، ثم الناظر في الحسبة بالقاهرة ، ويجلس على يسار السلطان كاتب السرّ ، وإن كان الوزير من أرباب السيوف ، كان واقفا على بعد مع بقية أرباب الوظائف ، وإن كان نائب السلطنة ، فإنه يقف مع أرباب الوظائف ، ويقف من وراء السلطان صفان عن يمينه ويساره من السلاحدارية والجمدارية والخاصكية ، ويجلس على بعد بقدر خمسة عشر ذراعا عن يمنته ويسرته ذو والسنّ والقدر من أكابر أمراء المئين ، ويقال لهم أمراء المشورة ، ويليهم من أسفل منهم أكابر الأمراء وأرباب الوظائف ، وهم