المقريزي
256
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
من متجر أو نحوه ، وصارت مراكب النزهة والتفرج إنما تمرّ في الخليج الناصريّ فقط ، وعلى هذا الخليج الكبير في زماننا هذا أربع عشرة قنطرة ، يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى في القناطر ، وحافتا هذا الخليج الآن معمورتان بالدور ، وسيأتي إن شاء اللّه ذكر ذلك في مواضعه من هذا الكتاب . وقال ابن سعد : وفيها خليج لا يزال يضعف بين خضرتها حتى يصير كما قال الرصافي : ما زالت الأنحاء تأخذه * حتى غدا كذؤابة النجم وقلت في نور الكتان الذي على جانبي هذا الخليج : انظر إلى النهر والكتان يرمقه * من جانبيه بأجفان لها حدق قد سلّ سيفا عليه للصبا شطب * فقابلته بأحداق بها أرق وأصبحت في يد الأرواح تنسجها * حتى غدت حلقا من فوقها حلق فقم نزرها ووجه الأرض متضح * أو عند صفرته إن كنت تغتبق قال وقد ذكر مصر ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار ، ولا تبرّج النساء العواهر ، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها ، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر ، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة ، فرأيت فيه من ذلك العجائب ، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر ، فيمنع فيه الشرب ، وذلك في بعض الأحيان ، وهو ضيق وعليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتحكم والمجانة ، حتى أن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب ، وللسرج في جانبيه بالليل منظر فتّان وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل الستر ، وفي ذلك أقول : لا تركبنّ في خليج مصر * إلّا إذا يسدل الظلام فقد علمت الذي عليه * من عالم كلهم طغام صفان للحرب قد أظلّا * سلاح ما بينهم كلام يا سيدي لا تسر إليه * إلّا إذا هوّم النيام والليل ستر على التصابي * عليه من فضله لثام والسرج قد بدّدت عليه * منها دنانير لا ترام وهو قد امتدّ والمباني * عليه في خدمة قيام للّه كم دوحة جنينا * هناك أثمارها الآثام وقال ابن عبد الظاهر عن مختصر تاريخ ابن المأمون ، أنّ أوّل من رتب حفر خليج القاهرة على الناس المأمون بن البطائحيّ ، وكذلك على أصحاب البساتين في دولة الأفضل ،