المقريزي
228
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
يرنحها أدنى نسيم تنسّمت * فتهفو إلى برد النسيم المردّد وتشدو على أغصانها الورق « 1 » في الضحى * فيطربها سجع الحمام المغرّد وفيها معان ليس في الخمر مثلها * فلا تستمع فيها مقالا مفند هي البكر لم تنكح بماء سحابة * ولا عصرت يوما برجل ولا يد ولا عبث القسيس يوما بكأسها * ولا قرّبوا من دنها كل مقعد ولا نصّ في تحريمها عند مالك * ولا حدّ عند الشافعيّ وأحمد ولا أثبت النعمان تنجيس عينها * فخذها بحدّ المشرفيّ المهند وكف أكفّ الهمّ بالكف واسترح * ولا تطرح يوم السرور إلى غد وكذلك نسب إظهارها إلى الشيخ حيدر الأديب أحمد بن محمد بن الرسّام الحلبيّ فقال : ومهفهف بادي النفار عهدته * لا ألتقيه قط غير معبس فرأيته بعض الليالي ضاحكا * سهل العريكة ريضا في المجلس فقضيت منه مآربي وشكرته * إذ صار من بعد التنافر مؤنسي فأجابني لا تشكرنّ خلائقي * واشكر شفيعك فهو خمر المفلس فحشيشة الأفراح تشفع عندنا * للعاشقين ببسطها للأنفس وإذا هممت بصيد ظبي نافر * فاجهد بأن يرعى حشيش القنبس واشكر عصابة حيدر إذ أظهروا * لذوي الخلاعة مذهب المتخمّس ودع المعطّل للسرور وخلني * من حسن ظنّ الناس بالمتنمّس وقد حدّثني الشيخ محمد الشيرازيّ القلندري أنّ الشيخ حيدرا لم يأكل الحشيشة في عمره البتة ، وإنما عامّة أهل خراسان نسبوها إليه لاشتهار أصحابه بها ، وأن إظهارها كان قبل وجوده بزمان طويل ، وذلك أنه كان بالهند شيخ يسمى بيررطن ، هو أوّل من أظهر لأهل الهند أكلها ، ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك ، ثم شاع أمرها في بلاد الهند حتى ذاع خبرها ببلاد اليمن ، ثم فشا إلى أهل فارس ، ثم ورد خبرها إلى أهل العراق والروم والشام ومصر ، في السنة التي قدّمت ذكرها . قال : وكان بيررطن في زمن الأكاسرة ، وأدرك الإسلام وأسلم ، وأنّ الناس من ذلك الوقت يستعملونها ، وقد نسب إظهارها إلى أهل الهند عليّ بن مكيّ في أبيات أنشدنيها من لفظه وهي : ألا فاكفف الأحزان عني مع الضرّ * بعذراء زفّت في ملاحفها الخضر تجلت لنا لما تحلتّ بسندس * فجلّت عن التشبيه في النظم والنثر
--> ( 1 ) أغصان ورق : أي كثيرة الورق . مختار الصحاح .