المقريزي

229

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

بدت تملأ الأبصار نورا بحسنها * فأخجل نور الروض والزهر بالزهر عروس يسرّ النفس مكنون سرّها * وتصبح في كل الحواس إذا تسري فللذوق منها مطعم الشهد رائقا * وللشم منها فائق المسك بالنشر وفي لونها للطرف أحسن نزهة * يميل إلى رؤياه من سائر الزهر تركّب من قان وأبيض فانثنت * تتيه على الأزهار عالية القدر فيكسف نور الشمس حمرة لونها * وتخجل من مبيضّه طلعة البدر علت رتبة في حسنها وكأنها * زبرجد روض جاده وابل القطر تبدّت فأبدت ما أجنّ من الهوى * وجاءت فولت جند همي والفكر جميلة أوصاف جليلة رتبة * تغالت فغالى في مدائحها شعري فقم فانف جيش الهمّ واكفف يد العنا * بهندية أمضى من البيض والسمر بهندية في أصل إظهار أكلها * إلى الناس لا هندية اللون كالسّمر تزيل لهيب الهمّ عنّا بأكلها * وتهدي لنا الأفراح في السرّ والجهر قال : وأنا أقول إنه قديم معروف منذ أوجد اللّه تعالى الدنيا ، وقد كان على عهد اليونانيين ، والدليل على ذلك ما نقله الأطباء في كتبهم عن بقراط وجالينوس من مزاج هذا العقار وخواصه ، ومنافعه ومضارّه ، قال ابن جزلة في كتاب منهاج البيان : القنب الذي هو ورق الشهدانج ، منه بستانيّ ومنه برّيّ ، والبستانيّ أجوده ، وهو حار يابس في الدرجة الثالثة ، وقيل حرارته في الدرجة الأولى ، ويقال أنه بارد يابس في الدرجة الأولى ، والبريّ منه حار يابس في الدرجة الرابعة . قال : ويسمى بالكفّ . أنشدني تقيّ الدين الموصلي : كف كفّ الهموم بالكفّ فالك * فّ شفاء للعاشق المهموم بابنة القنّب الكريمة لا بابن * ة كرم بعد البنت الكروم قال : والفقراء إنما يقصدون استعماله مع ما يجدون من اللذة تجفيفا للمنيّ ، وفي إبطاله قطع لشهوة الجماع كي لا تميل نفوسهم إلى ما يوقع في الزنا . وقال بعض الأطباء : ينبغي لمن يأكل الشهدانج أو ورقه ، أن يأكله مع اللوز أو الفستق أو السكر أو العسل أو الخشخاش ، ويشرب بعده السكنجبين ليدفع ضرره ، وإذا قلي كان أقلّ لضرره ، ولذلك جرت العادة قبل أكله أن يقلى ، وإذا أكل غير مقليّ كان كثير الضرر ، وأمزجة الناس تختلف في أكله ، فمنهم من لا يقدر أن يأكله مضافا إلى غيره ، ومنهم من يضيف إليه السكر أو العسل أو غيره من الحلاوات . وقرأت في بعض الكتب أن جالينوس قال إنها تبرىء من التخمة ، وهي جيدة للهضم ، وذكر ابن جزلة في كتاب المنهاج أن بزر شجر القنب البستانيّ هو الشهدانج ، وثمره يشبه حب السمنة ، وهو حب يعصر منه الدهن . وحكي عن حنين بن إسحاق أنّ شجرة البري تخرج في القفار المنقطعة على قدر ذراع ، وورقه يغلب عليه