المقريزي
20
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
حارة كتامة « 1 » : هذه الحارة مجاورة لحارة الباطليّة ، وقد صارت الآن من جملتها . كانت منازل كتامة بها عندما قدموا من المغرب مع القائد جوهر ، ثمّ مع العزيز ، وموضع هذه الحارة اليوم حمام كواي وما جاورها مما وراء مدرسة ابن الغنام حيث الموضع المعروف بدرب ابن الأعسر إلى رأس الباطلية ، وكانت كتامة هي أصل دولة الخلفاء الفاطميين . ذكر أبي عبد اللّه الشيعي هو الحسن « 2 » بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء اليمن ، ولي الحسبة في بعض أعمال بغداد ، ثمّ سار إلى ابن حوشب « 3 » باليمن ، وصار من كبار أصحابه ، وكان له علم وفهم وعنده دهاء ومكر ، فورد على ابن حوشب موت الحلوانيّ داعي المغرب ورفيقه ، فقال لأبي عبد اللّه الشيعي : إنّ أرض كتامة من بلاد المغرب قد خرّبها الحلوانيّ وأبو سفيان ، وقد ماتا ، وليس لها غيرك ؛ فبادر فإنّها موطّأة ممهّدة لك . فخرج من اليمن إلى مكّة ، وقد زوّده ابن حوشب بمال ، فسأل عن حجّاج كتامة فأرشد إليهم واجتمع بهم ، وأخفى عنهم قصده ، وذلك أنه جلس قريبا منهم فسمعهم يتحدّثون بفضائل آل البيت فحدّثهم في ذلك وأطال ، ثمّ نهض ليقوم فسألوه أن يأذن لهم في زيارته فأذن لهم ، فصاروا يتردّدون إليه لما رأوا من علمه وعقله ، ثمّ إنهم سألوه أين يقصد ؟ فقال : أريد مصر ، فسرّوا بصحبته ، ورحلوا من مكّة وهو لا يخبرهم شيئا من خبره وما هو عليه من القصد . وشاهدوا منه عبادة وورعا وتحرّجا وزهادة ، فقويت رغبتهم فيه واشتملوا على محبّته واجتمعوا على اعتقاده ، وساروا بأسرهم خدما له . وهو في أثناء ذلك يستخبرهم عن بلادهم ويعلم أحوالهم ويفحص عن قبائلهم وكيف طاعتهم للسلطان بإفريقية ، فقالوا له : ليس له علينا طاعة ، وبيننا وبينه عشرة أيام ، قال : أفتحملون السلاح ؟ قالوا : هو شغلنا . وما برح حتّى عرف جميع ما هم عليه . فلمّا وصلوا إلى مصر أخذ يودّعهم ، فشقّ عليهم فراقه وسألوه عن حاجته بمصر فقال : ما لي بها من حاجة ، إلا أنّي أطلب التعليم بها . قالوا : فأمّا إذا كنت تقصد هذا فإنّ بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك ، ونحن أعرف بحقّك ؛ وما زالوا به حتّى أجابهم إلى المسير معهم ، فساروا به إلى أن قاربوا بلادهم ، وخرج إلى لقائهم أصحابهم ، وكان عندهم حسّ كبير من التشيّع واعتقاد عظيم في محبّة أهل البيت كما قرّره الحلوانيّ ، فعرّفهم القوم خبر
--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 4 / 50 : منسوبة إلى قبيلة كتامة ، نزلوا بها عندما قدموا من المغرب مع القائد جوهر ، وموضع هذه الحارة اليوم المنطقة التي يتوسطها حارة الأزهري وعطفة الدويداري وما يتفرع منهما من العطف والدروب الكائنة في الجنوب الشرقي من الجامع الأزهر . ( م . رمزي ) . ( 2 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 127 : الحسين . ( 3 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 126 : رستم بن الحسين بن حوشب بن دادان النجار من أهل الكوفة .