المقريزي

21

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أبي عبد اللّه ، فقاموا بحقّ تعظيمه وإجلاله ، ورغبوا في نزوله عندهم ، واقترعوا فيمن يضيفه ، ثمّ ارتحلوا إلى أرض كتامة فوصلوا إليها منتصف الربيع الأوّل سنة ثمان « 1 » وثمانين ومائتين ، فما منهم إلا من سأله أن يكون منزله عنده ، فلم « 2 » يوافق أحدا منهم وقال : أين يكون فجّ الأخبار ؟ فعجبوا من ذلك ولم يكونوا قطّ ذكروه له منذ صحبوه « 3 » فدلّوه عليه ، فقصده وقال : إذا حللنا به صرنا نأتي كلّ قوم منكم في ديارهم ونزورهم في بيوتهم ؛ فرضوا جميعا بذلك . وسار إلى جيل ايلحان « 4 » وفيه فج الأخيار ، فقال هذا فج الأخيار وما سمّي إلا بكم ، ولقد جاء في الآثار « 5 » للمهديّ هجرة ينبو بها عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزمان ، قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان ، ولخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخيار ، فتسامعت به القبائل وأتته البربر من كلّ مكان ، وعظم أمره حتى أنّ كتامة اقتتلت عليه مع قبائل البربر ، وهو لا يذكر اسم المهدي ولا يعرّج عليه ، فبلغ خبره إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقية ، فقال أبو عبد اللّه لكتامة : أنا صاحب النذر « 6 » الذي قال لكم أبو سفيان والحلوانيّ ، فازدادت محبّتهم له وعظم أمره فيهم ، وأتته القبائل من كلّ مكان ، وسار إلى مدينة تاصروق « 7 » ، وجمع الخيل وصيّر أمرها للحسن بن هارون كبير كتامة ، وخرج للحرب فظفر وغنم ، وعمل على تاصروق خندقا ، فرجعت إليه قبائل من البربر وحاربوه فظفر بهم ، وصارت إليه أموالهم ، ووالى الغزو فيهم حتّى استقام له أمرهم ، فسار وأخذ مدائن « 8 » عدّة ، فبعث إليه ابن الأغلب بعساكر كانت له معهم حروب عظيمة وخطوب عديدة وأنباء كثيرة آلت إلى غلب أبي عبد اللّه وانتشار أصحابه من كتامة في البلاد ، فصار يقول : المهديّ يخرج في هذه الأيام ويملك الأرض ، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني . وأخذ يغري الناس بابن الأغلب « 9 » ، ويذكر كرامات المهدي وما يفتح اللّه له ، ويعدهم بأنّهم يملكون الأرض كلّها . وسير إلى عبيد اللّه بن محمد « 10 » رجالا من كتامة ليخبروه بما فتح اللّه له وأنه ينتظره ، فوافوا عبيد اللّه بسلمية من أرض حمص ، وكان قد اشتهر بها وطلبه الخليفة المكتفي ، ففرّ

--> ( 1 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 127 : سنة ثمانين ومائتين . ( 2 ) وفيه أيضا : حتى يقاتلوا دونه ، فقال لهم : أين . . . ( 3 ) وفيه أيضا : فقالوا عند بني سليمان . ( 4 ) وفيه أيضا : أنكجان . ( 5 ) وفيه أيضا : أنّ . ( 6 ) وفيه أيضا : البدر . ( 7 ) وفيه أيضا 6 / 128 : ناصرون . ( 8 ) وفيه أيضا : مدينة ميلة . ( 9 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 128 : بأبي مضر . ( 10 ) في الكامل لابن الأثير 6 / 129 : ابن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .