المقريزي

173

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الفويّ ، والخيوط التي تشدّ بها القراطيس الموضوع فيها حوائج الطعام من الحبوب والأفاوية وغيرها ، فإن هذه الأصناف المذكورة إذا حملت من الأسواق وأخذ ما فيها ألقيت إلى المزابل ، ومن أدرك الناس قبل هذه المحن وأمعن النظر فيما كانوا عليه من أنواع الحضارة والترف لم يستكثر ما ذكرناه . وقد اختلّ حال القصبة وخرب وتعطل أكثر ما تشتمل عليه من الحوانيت بعد ما كانت مع سعتها تضيق بالباعة ، فيجلسون على الأرض في طول القصبة بأطباق الخبز وأصناف المعايش . ويقال لهم أصحاب المقاعد ، وكل قليل يتعرّض الحكام لمنعهم وإقامتهم من الأسواق لما يحصل بهم من تضييق الشوارع وقلة بيع أرباب الحوانيت ، وقد ذهب واللّه ما هناك ولم يبق إلا القليل ، وفي القصبة عدّة أسواق ، منها ما خرب ، ومنها ما هو باق ، وسأذكر منها ما يتيسر إن شاء اللّه تعالى . سوق باب الفتوح : هذا السوق في داخل باب الفتوح ، من حدّ باب الفتوح الآن إلى رأس حارة بهاء الدين . معمور الجانبين بحوانيت اللحامين والخضريين والفاميين والشرايحية وغيرهم ، وهو من أجلّ أسواق القاهرة وأعمرها ، يقصده الناس من أقطار البلاد لشراء أنواع اللحمان الضأن والبقر والمعز ، ولشراء أصناف الخضراوات ، وليس هو من الأسواق القديمة ، وإنما حدث بعد زوال الدولة الفاطمية عندما سكن قراقوش في موضعه المعروف بحارة بهاء الدين ، وقد تناقص عما كان فيه منذ عهد الحوادث ، وفيه إلى الآن بقية صالحة . سوق المرحلين : هذا السوق أدركته من رأس حارة بهاء الدين إلى بحري المدرسة الصيرمية معمور الجانبين بالحوانيت المملوءة بر حالات الجمال وأقتابها ، وسائر ما تحتاج إليه ، يقصد من سائر إقليم مصر ، خصوصا في مواسم الحج . فلو أراد الإنسان تجهيز مائة جمل وأكثر في يوم لما شق عليه وجود ما يطلبه من ذلك لكثرة ذلك عند التجار في الحوانيت بهذا السوق وفي المخازن . فلما كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة وكثر سفر الملك الناصر فرج بن برقوق إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز بالبلاد الشامية ، صار الوزراء يستدعون ما يحتاج إليه الجمال من الرحال والأقتاب وغيرها ، فإما لا يدفع ثمنها أو يدفع فيها الشيء اليسير من الثمن ، فاختلّ من ذلك حال المرحلين وقلت أموالهم بعد ما كانوا مشتهرين بالغناء الوافر والسعادة الطائلة ، وخرب معظم حوانيت هذا السوق ، وتعطل أكثر ما بقي منها ، ولم يتأخر فيه سوى القليل . سوق خان الروّاسين : هذا السوق على رأس سويقة أمير الجيوش ، قيل له ذلك من أجل أن هناك خانا تعمل فيه الرؤوس المغمومة ، وكان من أحسن أسواق القاهرة فيه عدّة من البياعين ، ويشتمل على نحو العشرين حانوتا مملوءة بأصناف المآكل ، وقد اختلّ وتلاشى أمره .