المقريزي

139

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

كم كان فيه لهم من مشرب غدق * فعب صرف الردى فيه فكدّره أين ابن طولون بانيه وساكنه * أماته الملك الأعلى فأقبره ما أوضح الأمر لو صحت لنا فكر * طوبى لمن خصه رشد فذكره وقال أحمد بن إسحاق الجفر : وإذا ما أردت أعجوبة الده * ر تراها فانظر إلى الميدان تنظر البين والهموم وأنوا * عا توالت به من الأشجان يعلم العالم المبصر أن الده * ر فيما يراه ذو ألوان أين ما فيه من نعيم ومن عي * ش رخيّ ونضرة وحسان أين ذاك المسك الذي ديف « 1 » بالعن * بر بحتا وعلّ « 2 » بالزعفران أين ذاك الخز المضاعف والوشي * وما استخلصوا من الكتان أين تلك القيان تشدو على العر * س بما استحسنوا من الألحان حوّز الدهر آل طولون في هوّة * نقر مسكونها غير دان وأعاض الميدان من بعد أهليه * ذئابا تعوي بتلك المغاني ثم أمر الحسين بن أحمد المادراني متولي خراج مصر بهدم الديوان ، فابتدىء في هدمه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين ، وبيعت أنقاضه ، ودثر كأنه لم يكن . فقال محمد بن طسويه : وكأنّ الميدان ثكلى أصيبت * بحبيب قد ضاع ليلة عرس تتغشى الرياح منه محلا * كان للصون في ستور الدمقس وبفرش الأضريج والبسط الدي * باج في نعمة وفي لين لمس ووجوه من الوجوه حسان * وخدود مثل اللآلئ ملس وكل نجلاء كالغزال وبخلا * ورداح « 3 » من بين حور ولعس « 4 » آل طولون كنتم زينة الأر * ض فأضحى الجديد أهدام لبس وقال ابن أبي هاشم : يا منزلا لبني طولون قد دثرا * سقاك صرف الغوادي القطر والمطرا يا منزلا صرت أجفوه وأهجره * وكان يعدل عندي السمع والبصرا بالله عندك علم من أحبتنا * أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا

--> ( 1 ) ديف : خلط ومزج بماء أو نحوه . ( 2 ) العلّ : الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب . ( 3 ) رداح : ثقلية الأوراك . ( 4 ) اللعس : سواد مستحسن بالشفة .