المقريزي

138

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وما فيه من قوّامه وكفاته * ورفقتهم بالمعتفين ذوي الفقر فللميت المقبور حسن جهازه * وللحيّ رفق في علاج وفي جبر وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا * إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر ترى أثرا لم يبق من يستطيعه * من الناس في بدو البلاد ولا حضر مآثر لا تبلى وإن باد أهلها * ومجد يؤدي وارثيه إلى الفخر لقد ضمن القبر المقدّر ذرعه * أجلّ إذا ما قيس من قبتي حجر وقام أبو الجيش ابنه بعد موته * كما قام ليث الغاب في الأسل السمر أتته المنايا وهو في أمن داره * فأصبح مسلوبا من النهي والأمر كذاك الليالي من أعارته بهجة * فيا لك من ناب حديد ومن ظفر وورث هارون ابنه تاج ملكه * كذاك أبو الأشبال ذو الناب والهصر وقد كان جيش قبله في محله * ولكنّ جيشا كان مستقصر العمر فقام بأمر الملك هارون مدّة * على كظظ « 1 » من ضيق باع ومن حصر وما زال حتى زال والدهر كاشح « 2 » * عقاربه من كل ناحية تسري تذكرتهم لما مضوا فتتابعوا * كما أرفض سلك من جمان ومن شذر فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهله * لفقدهم فليبك حزنا على مصر ليبك بني طولون إذ بان عصرهم * فبورك من دهر وبورك من عصر وقال أيضا : من لم ير الهدم للميدان لم يره * تبارك اللّه ما أعلى وأقدره لو أن عين الذي أنشأه تبصره * والحادثات تعاديه لأكبره كانت عيون الورى تعشوا لهيبته * إذا أضاف إليه الملك عسكره أين الملوك التي كانت تحلّ به * وأين من كان بالإنفاذ دبره وأين من كان يحميه ويحرسه * من كل ليث يهاب الليث منظره صاح الزمان بمن فيه ففرّقهم * وحط ريب البلى فيه فدعثره « 3 » وأخلق الدهر منه حسن جدّته * مثل الكتاب محا العصر أن أسطره دكت مناظره واجتثّ جوسقه * كأنما الخسف فاجأه فدمّره أو هبّ إعصار نار في جوانبه * فعاد معروفه للعين منكره كم كان يأوي إليه في مقاصره * أحوى أغنّ غضيض الطرف أحوره

--> ( 1 ) الكظظ : الكرب والجهد . ( 2 ) كاشح : مضمر العداوة . ( 3 ) دعثر : الدعثر المتهدم المتثلم .