المقريزي

84

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الذي يعمل فيه خالص الحرّ فهو ينضجه والزبيب الذي يعمل منه مجلوب من بلاد أجود هواء . وأما الخمر فقلّ من يعتصرها إلا ويلقي معها عسلا وهي معتصرة من كرومهم ، فتكون مشاكلة لهم ، ولهذا صاروا يختارون الشمسيّ عليها وما عدا الشمسيّ والخمر من الشراب بأرض مصر فرديء لا خير فيه لسرعة استحالته من فساد مادّته ، كالنبيذ التمري ، والمطبوخ والمزر المعمول من الحنطة . وأغذية أهل مصر مختلفة فإنّ أهل الصعيد يغتذون كثيرا بتمر النخل ، والحلاوة المعمولة من قصب السكر ، ويحملونها إلى الفسطاط وغيرها . فتباع هناك وتؤكل ، وأهل أسفل الأرض يغتذون كثيرا بالقلقاس والجلبان ويحملون ذلك إلى مدينة الفسطاط وغيرها . فتباع هناك وتؤكل وكثير من أهل مصر يكثرون أكل السمك طريا ومالحا وكثير يكثرون أكل الألبان ، وما يعمل منها وعند فلاحيهم نوع من الخبز يدعى كعكا يعمل من جريش الحنطة ، ويجفف وهو أكثر أكلهم السنة كلها . وبالجملة فكل قوم قد ابتنت أبدانهم من أشياء بأعيانها وألفتها . ونشأت عليها إلا أن الغالب على أهل مصر الأغذية الرديئة وليست تغير مزاجهم ما دامت جارية على العادة . وهذا أيضا مما يؤكد أمرهم في السخافة وسرعة الوقوع في الأمراض . وأهل الريف أكثر حركة رياضة من أهل المدن ولذلك هم أصح أبدانا لأنّ الرياضة تصلب أعضاءهم ، وتقوّيها وأهل الصعيد أخلاطهم أرق وأكثر دخانية وتخلخلا وسخافة لشدّة حرارة أرضهم من أسفل الأرض ، وأهل أسفل الأرض بمصر أكثر استفراغ فضولهم ، بالبراز والبول لفتور حرارة أرضهم واستعمالهم للأشياء الباردة ، والغليظة كالقلقاس . وأما أخلاط المصريين فبعضها شبيه ببعض لأنّ قوى النفس تابعة لمزاج البدن ، وأبدانهم سخيفة سريعة التغير قليلة الصبر والجلد ، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء والدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة في العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكذب والسعي إلى السلطان وذمّ الناس . وبالجملة فيغلب عليهم الشرور الدنية التي تكون من دناءة الأنفس وليس هذه الشرور عامّة فيهم ولكنها موجودة في أكثرهم ، ومنهم : من خصه اللّه بالفضل وحسن الخلق وبرّأه من الشرور ، ومن أجل توليد أرض مصر ، الجبن والشرور الدنيئة في النفس لم تسكنها الأسد وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل وكلابها أقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان . وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر ما خلا ما كان منها في طبعه ملائمة لهذه الحال كالحمار والأرنب . وقال : إنّ جالينوس يرى أن فصل الربيع طبيعته الاعتدال ، ويناقض من ظنّ أنه حار رطب ، ومن شأن هذا الفصل أن تصح فيه الأبدان ، ويجود هضمها وتنتشر الحرارة لغريزية فيه ، ويصفو الروح الحيواني لاعتدال الهواء وصفائه ومساواة ليله لنهاره ، وغلبة الدم والهواء المعتدل هو الذي لا يحس فيه ببرد ظاهر ولا حرّ ولا رطوبة ولا يبس ، ويكون في نفسه