المقريزي

85

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

صافيا نقيا فيقوى فيه الروح الحيواني لهذا السبب ، وتصح الأبدان ويكثر نشاط الحيوان وتنمو الأشياء وتزيد وتتوالد . وإذا طلبنا بأرض مصر مثل هذا الهواء لم نجده في وقت من السنة إلا في امشير وبرمهات وبرمودة وبشنس ، عندما تكون الشمس في النصف الأخير من الدلو والحوت والحمل والثور . فإنا نجد بمصر في هذا الزمان أياما معتدلة نقية صافية لا يحس فيها بحرّ ظاهر ، ولا برد ولا رطوبة ولا يبوسة ، وتكون الشمس فيها نقية من الغيوم ، والهواء ساكنا لا يتحرّك إلا أن يكون ذلك في برمودة وبشنس فإنه يحتاج إلى أن تهب ريح الشمال ليعتدل ببردها حرّ الشمس . وفي هذا الزمان تكثر حركة الحيوان وسفاده وتحسن أصواته ، وتورق الأشجار ويعقد الزهر ، وتقوى القوة المولدة ويغلب كيموس الدم . وهذا الفصل في أرض مصر يتقدّم زمانه الطبيعيّ بمقدار ما ينقص عن آخره ، وعلة ذلك قوّة حرارة هذه الأرض ، وقد يعرض في أوّل هذا الفصل أيام شديدة البرود وذلك في أمشير إذا هبت ريح الشمال ، وكانت الشمس غير نقية من الغيوم ، وعلة ذلك دخول فصل الربيع في فصل الشتاء . فإذا هبت ريح الشمال برد ببردها الهواء ، فأعادته بعد الاعتدال إلى البرد ولكثرة ما يصعد من الأرض في هذا الزمان من البخار الرطب يرطب الهواء ، ويعود إلى حاله في فصل الشتاء ، وربما برد الهواء من هبوب رياح أخر فإن ريح الجنوب التي هي أشدّ الرياح حرارة إذا هبت في هذا الزمان اكتسبت برودة من الأرض ، والماء الذين قد بردّهما هواء الشتاء . فإذا مرّت بشيء بردّته ببرودتها العرضية حتى إذا دام هبوبها أياما كثيرة متوالية عادت إلى حرارتها ، وأسخنت الهواء ، وأحدثت فيه يبسا . والدليل على أن برد رياح الجنوب التي تعرفها المصريون بالمريسي يتولد من برد مياه مصر ، وأرضها لا بشيء طبيعي لها أنه لا يجتمع في الجوّ في أيام هبوبها الضباب الذي يجتمع من تحليل الحرارة للبخار الرطب بالنهار . وجمع البرودة له بالليل . فحرارة ريح الجنوب تفرّق البرودة عن جمعه ، وتبدّده في الهواء ، وإذا دام هبوب هذه الريح أسخنت الماء ، والأرض وعادت إلى طبيعتها في الحرارة . وإذا كان فصل الربيع يتقدّم زمانه الطبيعي ، ويختلف هذا الاختلاف . والهواء في الأصل بمصر يختلف بكثرة استحالته ، وما يرقى إليه من البخار فما ظنك بغيره من الفصول ولذلك كثرت فيه الرياح . وأخر الأطباء فيه سقي الأدوية المسهلة إلى أن يستقرّ أمره في شمس الحمل مع الثور ، ثم يدخل فصل الصيف في آخر بشنس « 1 » وبؤنة « 2 » وأبيب « 3 » وبعض مسرى « 4 » . عندما تكون الشمس في الجوزاء والسرطان والأسد وبعض السنبلة ، فيشتدّ الحرّ واليبس في هذا الزمان وتجف الغلات وتنضج الثمار ويجتمع من أكلها في الأبدان كيموسات رديئة وإذا نزلت

--> ( 1 ) من أشهر السنة بالقبطية : بشنس هو أيار ، بؤنة هو حزيران ، أبيب هو تموز ، مسرى هو آب . ( 2 ) من أشهر السنة بالقبطية : بشنس هو أيار ، بؤنة هو حزيران ، أبيب هو تموز ، مسرى هو آب . ( 3 ) من أشهر السنة بالقبطية : بشنس هو أيار ، بؤنة هو حزيران ، أبيب هو تموز ، مسرى هو آب . ( 4 ) من أشهر السنة بالقبطية : بشنس هو أيار ، بؤنة هو حزيران ، أبيب هو تموز ، مسرى هو آب .