المقريزي
68
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وما يحدث فيه من أقصى ما يصل إليه البصر على مسيرة أيام . وهو أوّل من اتخذها ويقال : إنه بنى أكثر مدينة منف وكل بنيان عظيم بالإسكندرية . ولما ملك بدارس بن صا الأحياز كلها بعد أبيه ، وصفا له ملك مصر بنى في غربي مدينة منف بيتا عظيما لكوكب الزهرة ، وأقام فيه صنما عظيما من لازورد مذهب ، وتوجّه بذهب يلوح بزرقة وسوّره بسوارين من زبرجد أخضر ، وكان الصنم في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر . وفي رجليها خلخالان من حجر أحمر شفاف ، ونعلان من ذهب وبيدها قضيب مرجان ، وهي تشير بسبابتها كأنها مسلمة على من في الهيكل ، وجعل بحذائها تمثال بقرة ذات قرنين ، وضرعين من نحاس أحمر مموّه بذهب موشحة بحجر اللازورد ، ووجّه البقرة تجاه وجه الزهرة ، وبينهما مطهرة من أخلاط الأجساد على عمود رخام مجزع ، وفي المطهرة ماء مدبر يستنشق به من كل داء وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها في كل سبعة أيام ، وجعل في الهيكل كراسي للكهنة قد صفحت بالذهب والفضة ، وقرّب لهذا الصنم ألف رأس من الضأن والمعز والوحش والطير ، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف به وفرش الهيكل وستره ، وجعل فيه تحت قبة صورة رجل راكب على فرس له جناحان ومعه حربة في سنانها رأس إنسان معلق . ولم يزل هذا الهيكل إلى أن هدمه بخت نصر في أيام ماليق بن تدارس ، وكان موحدا على دين قبطيم ومصرايم خرج في جيش عظيم في البر والبحر فغزا البربر ، وأرض إفريقية ، وبلاد الأندلس وأرض الإفرنج إلى البحر ، وعمل في البحر أعلا ما زبر عليها اسمه ومسيره ، ورجع فهابه ملوك الأرض وكان في غربي مصر مدينة يقال لها : قرميدة بها قوم قد ملكوا عليهم امرأة ساحرة فغزاهم ، فلم ينل منهم قصدا ، ورجع فأرادت ملكتهم إفساد مصر ، فعملت من سحرها وأمرت ، فألقي في النيل ففاض الماء على المزارع حتى أفسدها وكثرت التماسيح والضفادع ، وفشت الأمراض في الناس ، وانبثت فيهم الثعابين والعقارب ، فأحضر ماليق الكهنة والحكماء في دار حكمتهم وألزمهم بالنظر لذلك . فنظروا في نجومهم فرأوا أن هذه الآفة أتتهم من ناحية الغرب ، وإنّ امرأة عملته وألقته في النيل ، فعلموا حينئذ أنه من فعل تلك الساحرة ، واجتهدوا في دفع ذلك بما عندهم من العلم حتى انكشف عنهم الماء الفاسد ، وهلكت الدواب المضرة وجهزوا قائدا في جيش إلى المدينة فلم يجدوا بها غير رجل واحد فأخذوا من الأموال والجواهر والأصنام ما لا يحصى . فمن ذلك صورة كاهن من زبرجد أخضر على قائمة من حجر الأسباديم ، وصورة روحانيّ من ذهب رأسه من جوهر أحمر ، وله جناحان من دور في يده مصحف فيه كثير من علومهم في دفتين مرصعتين بجوهر ، ومطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة زجاج أخضر فيها ماء لدفع الأسقام ، وفرس من فضة إذا عزم عليه بعزائمه ودخن بدخنته وركبه أحد طار به