المقريزي
69
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فأحضر ذلك وغيره من عجائب السحرة وأصنامهم والأموال والجواهر إلى مصر ، ومعهم الرجل ، فسأله الملك عن أعجب أعمالهم قال : قصدهم بعض ملوك البربر بجمع كثيف ، وتخاييل هائلة . فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ولجوا إلى الأصنام ، فأتى الكاهن إلى بركة عظيمة بعيدة القعر كانوا يشربون منها ، فجلس على حافتها وأحاط رؤساء الكهنة بها . وأخذ يزمزم على الماء حتى فار وخرج من وسطه نار في وسطها وجه كدارة الشمس لها ضوء فخرّ الجماعة لها سجودا ، وتلك الصورة تعظم حتى صعدت وخرقت القبة ، وسمع منها قد كفيتم شرّ عدوّكم ، فقاموا وإذا بعدوّهم قد هلك وسائر من معه وذلك أن صورة الشمس التي ظهرت من الماء مرّت فصاحت عليهم صيحة هلكوا بها . ولما ملك كلكن مصر بعد أبيه خريبا ؛ كان النمرود في وقته ، فاتصل بنمرود خبر حكمته وسحره فاستزاره ، ووجه إليه أن يلقاه ، وكان النمرود يسكن سواد العراق وغلب على كثير من الأمم فأقبل كلكن على أربعة أفراس تحمله لها أجنحة قد أحاطب به كالنار ، وحوله صور هائلة ؛ فدخل بها وهو متوشح بثعبان ومحزم ببعضه وذلك التنين فأغرفاه ، ومعه قضيب آس أخضر كلما حرّك التنين رأسه ضربه بالقضيب ، فلما رأى النمرود ذلك هاله ، واعترف له بجليل الحكم . وتقول القبط : إن كلكن كان يرتفع فيجلس على الهرم الغربيّ في قبة تلوح على رأسه ، وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم ، ويقولون : إنه ربما أقام على رأس الهرم أياما لا يأكل ولا يشرب ، ثم إنه استتر مدّة حتى توهموا أنه هلك فطمع الملوك في مصر . وقصدها ملك من المغرب . يقال له : سادوم في جيش عظيم إلى أن بلغ وادي هيبب ، فأقبل كلكن وجللهم من سحره بشيء كالغمام شديد الحرارة ، وهم تحته أياما لا يدرون أين يتوجهون ، ثم ارتفع وصار بمصر يعرّفهم ما عمل وأمرهم ، فخرجوا . فإذا بالقوم ودوابهم قد ماتوا فهابه جميع الكهنة وصوّروه في سائر الهياكل وبنى هيكلا لزحل من صوان أسود في ناحية الغرب وجعل له عيدا . ( وفي أيام دارم بن الريان ) وهو الفرعون الرابع الذي يقال له عند القبط : دريموش ، ظهر معدن فضة على ثلاثة أيام من النيل فأثاروا منه شيئا عظيما وعمل صنما على اسم القمر لأن طالعه كان برج السرطان ، ونصبه على القصر الرخام الذي بناه أبوه في شرقيّ النيل ، ونصب حوله أصناما كلها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر ، وعمل للصنم عيدا كلما دخل برج السرطان . ولمّا ولى اكسايس الملك بعد أبيه معدان بن معاديوس بن دارم بن دريموس وهو الفرعون السادس أقام أعلاما كثيرة حول منف ، وجعل عليها أساطين يمشي من بعضها إلى بعض ، وعمل برقودة وصا ومدائن الصعيد ، وأسفل الأرض أعلاما ، ومنائر للوقود ،