المقريزي
65
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
والشراب ، وكان ميلاطس تقلد الملك بعد أبيه مرقوه وهو صبيّ وكانت أمه مدبرة الملك ، وهي حازمة مجرّبة فأجرت الأمور على ما كانت عليه في حياة أبيه وأحسنت وعدلت في الرعية ووضعت عنهم بعض الخراج ، وكانت أيامه سعيدة كلها في الخصب الكثير والسعة للناس والعدل ، وكان له يوم يخرج فيه إلى الصيد ، ويرجع إلى جنته فيأمر لكل من معه بالجوائز والأطعمة ويجلس للنظر يوما في مصالح الناس وقضاء حوائجهم ويخلو يوما بنسائه . وكان ملكه ثلاث عشرة سنة ، وجدّر فمات . وعمل فرسون بن قيلمون بن أتريب منارا على بحر القلزم ، وعلى رأسه مرآة تجتذب بها المراكب إلى شاطىء البحر فلا يمكنها أن تبرح إلا أن تعشر فإذا عشرت سترت المرآة حتى تجوز المراكب ، وأقام فرسون مائتي سنة وستين سنة ؛ وعمل لنفسه ناووسا خلف الجبل الأسود الشرقي في وسطه قبة حولها اثنا عشر بيتا في كل بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى ، وزبر عليها اسمه ومدة ملكه . وكا مرقونس الملك حكيما محبا للنجوم ، والعلوم والحكمة ، فعمل في أيامه درهما إذا ابتاع به صاحبه شيئا اشترط أن يزن له ما يبتاعه منه بوزن الدرهم ، ولا يطلب عليه زيادة فيغترّ البائع بذلك ويقبل الشرط فإذا تم ذلك بينهما وقع في وزن الدرهم أرطال كثيرة تساوي عشرة أضعافه ، وكان إذا أحب أن يدخل في وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل ، وقد وجد هذا الدرهم في كنوزهم ثم في خزائن بني أمية وكان الناس يتعجبون منه ووجدوا دراهم أخر ، قيل : إنها عملت في وقته أيضا فيكون الدرهم منها في ميزان الرجل فإذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ ذلك الدرهم ، وقبله وقال : اذكر العهد وابتاع به ما أراد فإذا أخذ السلعة ومضى إلى بيته وجد الدرهم قد سبقه إلى منزله ، ويجد البائع موضع ذلك الدرهم ، ورقة آس أو قرطاسا أو مثل ذلك بدور الدرهم ، وفي وقته عملت الآنية الزجاج التي توزن فإذا ملئت ماء أو غيره ، ثم وزنت لم تزد عن وزنها الأوّل شيئا وعمل في وقته الآنية التي إذا جعل فيها الماء صار خمرا في لونه ورائحته وفعله ، وقد وجد من هذه الآنية باطفيح في أمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون شربة جزع بعروة زرقاء ببياض ، وكان الذي وجدها أبو الحسن الصائغ الخراساني هو ونفر معه ، فأكلوا على شاطىء النيل وشربوا بها الماء فوجدوه خمرا سكروا منه وقاموا ليرقصوا فوقعت الشربة ، فانكسرت عدّة قطع ؛ فاغتم الرجل وجاء بها إلى هارون فأسف عليها ، وقال : لو كانت صحيحة لاشتريتها ببعض ملكي . وأما الآنية النحاسية التي تجعل الماء خمرا ، فإنها منسوبة إلى قلوبطرة « 1 » بنت بطليموس ملكة الإسكندرية فكثير ، وفي وقته عملت الصور الحيثمية من الضفادع والخنافس
--> ( 1 ) قلوبطرة : هي قلوبطرا بنت بطليموس حكمت اثنين وعشرين سنة حوالي سنة 50 ق . م . وبحكم ابنها قيصرون زال حكم البطالسة عن مصر وذلك سنة 30 ق . م . صبح الأعشى 3 / 477 .